والصديقين السائرين . فحزن الكاذبين : هو ما تقدم من عدم النهوض والاستدراك لما فات . وحزن الصادقين : هو الحزن المصحوب بالجد والاجتهاد ، والتوسط في العمل ، والاقتصاد مع اغتنام ما بقي من الأوقات لاستدراك ما فات . وحزن الصديقين من السائرين : هو الحزن على فوات الأوقات ، أو حصول شيء من الغفلات ، أو وقوع ميل أو ركون إلى الحظوظ والشهوات ، إلا أن حزنهم لا يدوم ، إذ لا يقفون مع شيء ولا يقبضهم شئ ، وأما الواصلون فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، قال تعالى :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ يونس : 62 ] ، إذ الحزن إنما يكون على فقد شيء ، أو فوات غرض ، وما ذا فقد من وجد اللّه :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
[ فاطر : 34 ] . وفي هذا المقام ينقطع البكاء إذ لا بكاء في الجنة ، وقدر رأى الصديق قوما يقرأون ويبكون ، فقال : كذلك كنا ثم قست القلوب ، فعبر بالقسوة عن التمكين أدبا وتسترا ، لأن القلب في بدايته رطب يتأثر بالمواعظ وتحركه الأحوال . فإذا استمر معها ، وتصلب لم يتأثر بشيء ويكون كالجبل الراسي :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
[ النمل : 88 ] .
تنبيه : قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه : من لم تطاوعه نفسه على النهوض إلى الطاعات ، وأخلدت إلى أرض الشهوات ، فدواؤه في حرفين : الأول : أن يعلم منة اللّه عليه بالهداية للإسلام ومحبة الإيمان ، فيشكر اللّه عليها ليحصن بقائها عنده .
الثاني : دوام تضرعه وابتهاله في مظان الإجابة قائلا : يا ربّ سلم سلم ، وإن أهمل هذين الأمرين ، فالشقاوة لازمة له انتهى بالمعنى ، وباللّه التوفيق . ثم إذا أعطاك ما طلبت من كمال الاستقامة ، ونهضت إليه نادما على ما فاتك من الطاعة كانت نهايتك الوصول إلى الحبيب ، ومناجاة القريب . هناك تكلّ الألسن عن العبارة وتنقطع الإشارة ، كما أبان ذلك بقوله :