ومن دعاء الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : اللهم وكل سؤال فعن أمرك لي بالسؤال ، فاجعل سؤالي لك سؤال محابك ، ولا تجعلني ممن يتعمد بسؤاله مواضع الحظوظ بل يسأل القيام بواجب حقك . ثم إذا طلبت منه فاطلب منه ما طلبه منك وهو الطاعة والاستقامة ، ولم تساعفك الأقدار ومنعت منها قبل أن تسأل ، فإن لم تنهض إليها بقلبك وتأسفت عليها بنفسك ، فذلك علامة الاغترار كما أشار إلى ذلك بقوله :
76 - الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامة الاغترار .
قلت : الحزن : هو التحسر علي شيء لم تحصله وندمت على تحصيله ، أو التوجع على شيء منعت منه ، ولم تقدر على تحصيله ، فإن كان حزنك على شيء منعت منه ونهضت إلى أسبابه الموصلة إليه ، فهو حزن الصادقين . وفيه قال أبو علي الدقاق رضي اللّه تعالى عنه : يقطع صاحب الحزن في شهر ما لا يقطعه غيره في سنين ، وإن لم تنهض إلى أسبابه فهو حزن الكاذبين . وإن كان على ما فات ونهضت إلى استدراك ما يمكن استدراكه فهو حزن الصادقين . وإن لم تنهض إلى استدراكه فهو حزن الكاذبين ، وقد سمعت رابعة العدوية رجلا يقول :
واحزناه ، فقالت له قل : واقلة حزناه ، فلو كان حزنك صادقا لم يتهيأ لك أن تتنفس انتهى . وقال أبو سليمان الداراني رضي اللّه تعالى عنه : ليس البكاء بتعصير العيون ، إنما البكاء أن تترك الأمر الذي تبكي عليه ، وقيل : لا يغرنك بكاء الرجل ، فإن إخوة يوسف :
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ
[ يوسف : 16 ] ، وقد فعلوا ما فعلوا انتهى . فالحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إلى استدراك ما فات منها ، أو إلى تحصيل ما حضر منها من علامة الاغترار ، أي الغرور وهو الركون إلى ما لا حقيقة له . فالاغترار قبول الغارّ والانقياد إلى غروره وخدعه ، فالحزن ينقسم إلى ثلاثة أقسام : حزن الكاذبين ، والصادقين ،