بالأنوار ، والأسماء بالأسماء ، والنعوت بالنعوت ، والأفعال بالأفعال انتهى . وأطلق المزج على التبديل مناسبة للشراب . وقال إمام الطريقة أبو القاسم الجنيد رضي اللّه تعالى عنه في وصف العارف : عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرقت قلبه أنوار هدايته ، وصفا شرابه من كأس وده ، تجلى له الجبار عن أستار غيبه ، فإن تكلم فباللّه ، وإن سكت فمن اللّه ، وإن تحرك فبإذن اللّه ، وإن سكن فمع اللّه ، فهو باللّه وللّه ومع اللّه ومن اللّه وإلى اللّه انتهى . فهذه صفات العارف الحقيقي الراسخ المتمكن قد كلّ لسانه عن التعبير ، واستغنى عن الإشارة والمشير ، فإذا صدرت منه إشارة أو تعبير ، فإنما ذلك لفيضان وجد أو هداية فقير ، وقد صدرت إشارات من المتمكنين ، فتحمل على هذا القصد ، كقول الشيخ أبي العباس رضي اللّه تعالى عنه :
أعندك عن ليلى حديث محرّر * بإيراده يحيي الرّميم وينشر ؟
فعهدي بها العهد القديم وإنّني * على كلّ حال في هواها مقصّر
وقد كان منها الطّيف قدما يزورني * ولما يرز ما باله يتعذّر ؟
وهل بخلت حتّى بطيف خيالها * أم اعتلّ حتّى لا يصحّ التّصوّر ؟
ومن وجه ليلى طلعة الشّمس تستضي * وفي الشمس أبصار الورى تتحيّر
وما احتجبت إلا برفع حجابها * ومن عجب أنّ الظّهور تستّر
هكذا وجدت بخط الشيخ وكان كثيرا ما يتمثل بها . قاله المصنف في « لطائف المنن » فقول الشيخ ما العارف إلخ . أي ليس العارف الكامل وهو الراسخ المتمكن ، وأما السائر فيحتاج إلى الإشارة ويجد الحق أقرب إليه من الإشارة ، أو معها وهي إعانة له وقوته ، كالعبارة للمتوجهين ، وسيأتي : العبارة قوت لعائلة المستمعين ، وليس لك إلا ما أنت له آكل . وقوله : من إذا أشار : أي أشير له ، وقوله : بل العارف من لا إشارة له أي لا يحتاج إليها في نفسه ، وقد يشير لأجل غيره كما تقدم ، وإنما استغنى عن الإشارة ، لأن الإشارة والعبارة قوت الجائع ، وهو قد شبع واستغنى ، أو تقول : لأن الإشارة تقتضي البينونة