وما تركن إليه نفسه من علامة الاعتناء والإقبال . فإذا اعتنى اللّه تعالى بعبد ، وأراد أن يوصله إلى حضرته شوش عليه كل ما تركن إليه نفسه ، وأزعجه طوعا أو كرها حتى يؤيسه من هذا العالم ، ولم يبق له ركون إلى شيء منه ، فحينئذ يصطفيه لحضرته ، ويجتبيه لمحبته ، فليس له حينئذ عن نفسه إخبار ولا مع غير اللّه قرار . وأصل ذلك قضية سيدنا موسى عليه السلام لما علم اللّه تعالى محبته لعصاه وركونه إليها ، قال له الحق تعالى :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى * قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
[ طه 17 : 18 ] ، أي حوائج أخر ، قال له :
أَلْقِها يا مُوسى * فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
[ طه 19 : 20 ] ، فلما فرّ عنها ، وقطع يأسه منها ، قال له :
خُذْها وَلا تَخَفْ
[ طه : 21 ] ، لأنها لا تضرك حيث رجعت إليها باللّه ويقال للفقير :
وما تلك بيمينك أيها الفقير فيقول : هي دنياي أعتمد عليها وأقضي بها مآربي فيقال له : ألقها من يدك ، فإذا هي حية تسعى كانت تلدغه وهو لا يشعر ، فإذا أيس منها واستأنس باللّه واطمأن به ، قيل له :
خُذْها وَلا تَخَفْ
[ طه : 21 ] ، لأنك تأخذها باللّه لا بنفسك ، واللّه تعالى أعلم . ومواطن الآداب التي يخل بها المريد « 1 » ، فيعاقب عليها ثلاثة : آداب مع اللّه ورسوله ، وآداب مع الشيخ ، وآداب مع الإخوان . فأما الآداب مع اللّه باعتبار العوام فبامتثال أمره واجتناب نهيه ، ومع رسوله باتباع السنة ومجانبة أهل البدعة ، فإذا قصروا في الأمر أو خالفوا في النهي عوقبوا عاجلا في الحس أو آجلا في المعنى والحس ، وباعتبار الخواص مع اللّه بالإكثار من ذكره ، ومراقبة حضوره ، وإيثار محبته ، زاد الشيخ زروق : وحفظ الحدود والوفاء بالعهود والتعلق بالملك الودود والرضا بالموجود
هامش
( 1 ) في العبارة اضطراب ؛ فمفتتح الكلام عن الآداب التي يخل بها المريد ولا يدخل في لفظ المريد " خواص الخواص " فكان ينبغي أن يكون التعبير " بآداب الصوفي " لا " آداب المريد " لأن تقسيم الصوفي إلى مريد وخاص وخاص الخاص ، أما تقسيم المريد هذه القسمة فمتعذر لا سيما والكلام يتناول أحوال الأكابر من أمثال سيدي أبي العباس المرسي نفعنا اللّه به .