ونشأ رضي اللّه عنه شريف النفس يحب أن لا يكون لأحد عليه منة .
وكان رضي اللّه عنه يكافئ على القليل بالكثير ، ويقول : كل أحد يعطي بقدر مقامه ، وكان رضي اللّه عنه يعمل الطعام الكثير للأنفار القليلة ، فقلت له مرة في ذلك . فقال : العين لها حق وتشبع قبل الجسد ، ولا تشبع العين إلا بالكثير من الطعام ، فإذا شبعت العين شبع الجسد وضده بضده .
وكان رضي اللّه عنه معتدل القامة ، أزهر اللون ، أكحل العين ، مقرون الحاجبين ، أثيل الصدغين ، أقنى الأنف ، أشنب الفم ، طويل اللحية الكثة الشديدة السواد ، سمين البدن ، بطين جميل الذات والصفات ، كثير الهبات ، ملازم على مجالس الخيرات ، قليل التنزهات ، قليل الركوب لا يركب إلا غبا في المهمات أو الضرورات .
وكان رضي اللّه عنه يغلب كل من خاصمه ويقر له خصمه بعد غلبه بالعبودية والعجز عن مقاومته مع أنه كان يسكت في الخصام ولا يعيد ولا يبدي ولا يجادل عن نفسه ولكن قوة اللّه تعالى تقهر خصمه كما وقع له ذلك مرارا .
فمن ذلك ما وقع له مع الشيخ أحمد الديربي بسبب رزقة كان يزرعها من رزق الوقف ، وحصل منه غيظ على الشيخ عبد الحليم الشعراني ، فجاء بجماعة من الجامع الأزهر ومن أكابر مصر وعقد له مجلسا بهم ليزجره حتى يقضي منه أربه ، فلما حضر الجميع وسكت الشيخ عبد الحليم الشعراني وسكتوا كلهم ، فأراد أحمد الديربي أن يفتح الكلام بشدة وغلظة ، وإذا به قد خرج منه ريح بصوت عال سمعه كل من كان في المجلس من العلماء وغيرهم ، فما وسعه إلا أخذ نعاله وتوجهوا الجميع بالخزي لهم ولصاحبهم ، وسلم صاحبهم للشيخ ولم يعد ولم يبد بعد هذا المجلس .
وأخبرني في حياته بموته وبأمور تقع بعده ، وقعت كلها بعده كما أخبر ، ولم أطلع له على شيء يشينه في دينه ولا معاملته ولا وقته .
وكان رضي اللّه عنه كثير الالتفات والاعتناء بزاوية جده وزاد فيها من المجاورين كثيرا وزاد لهم في جرايتها والمعاليم لخدمتها ورتب بها خيرات كثيرة ودامت لوقتنا هذا .
مناقب القطب الرباني سيدي عبد الوهاب الشعراني — صفحة 195
مساهمون: جودة محمد ابو اليزيد المهدى
ص١٩٥