وكثر الناس عليه بالزيارة والتبرك به قبل كماله وبلوغه الطريق لزمه الفرار منهم ، ويعمل على الخمول ، ويحرص أن لا يعرف حاله غير ربه ، ولا يجيب دعوة أحد إلا أن تكون واجبة ، ولا يزور أحدا ولا يأكل من وليمة مطلقا ، وإذا أكل ما فيه شبهة استفاء ، ولا يلزم أن لا يرى إلا في المسجد ، أو عيادة مريض ، أو جنازة ، أو ما كان فيه نفع له وللمسلمين ، وعليه أن يقدم مصالح الناس على مصالح نفسه المندوبة ، ويجعل أصله الذي بنى عليه عمله دوام الشهود ، وتوحيد الأفعال بأن المحرك والمسكن هو اللّه ، والتحقق بالذل والعجز والانكسار وملازمة الخشوع والخضوع والدموع وصدق الولوع بشدة الطلب ، وإيثار المجاهدة ويزال كذلك واللّه يؤيده ويهديه ويوفقه إلى ما يرضيه .
ثم اعلم أيها الطالب للأشراف على منازل الأشراف والاطلاع على حقيقة نفسه والتطهر من وابل مدد فيض قدسه أن القوم بنوا الطريق على أربعة أركان :
الجوع والسهر والصمت والعزلة ، فلا وصول إلى اللّه بدونها .
وقد نظمت ذلك في قول بعضهم :
إن الطريق لها أركان واجبة * فلا وصول بغير الركن للرجل
فهاكها أربعا قالت مشايخنا * جوع وسهر وصمت عزلة فعل
وزاد بعضهم على ذلك أربعا أيضا : دوام الذكر ، ودوام الفكر ، ودوام الطهر ، وربط قلب المريد بالأستاذ ، وهذا من آكد الأركان والشروط عند القوم .
ونظمها شيخ شيخنا السيد البكري فقال :
شروط طريقنا المرضى عدت * ثمانية فلازم من حواها
ولازم وردها وانهض بعزم * لترقى في مراقي من عناها
وتصبح واحدا في الناس فردا * جليلا من سنا باهى سناها