تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
من غير فرق ، فيرى الوحدة ويرى فضلها لا غير ، فيحصل له كمال المشاهدة ، حينئذ يصلح ذكرهما معا . وأما الثلاثة الآداب التي عقب الذكر فأولها : أن يسكن إذا سكت ، ويخشع ويحضر مع قلبه مترقبا لوارد الذكر ، فلعله يرد عليه وارد فيعمر وجوده في لمحة أكثر ما تعمره المجاهدة والرياضة في ثلاثين سنة ، وذلك أنه إذا كان الوارد وارد زاهد فيجب عليه التمهل فيه حتى يتمكن فيه الزهد ، ويصير بتنغص إذا فتح عليه بشئ من الدنيا ، عكس ما كان عليه أولا ، أو ورد عليه وارد تحمل أذى فيجب عليه التمهل فيه حتى يتمكن ويستحكم ويصير إذا قام عليه الوجود كله بالأذى لا تتحرك منه شعرة كما لا يتحرك الجمل من نفخ ناموسة ، لأنه شاهد الأغيار أمثال أفياء في ذلك الوارد ، ورأى اللّه للكل فاعلا ، وهكذا من وارد علم وفتح وحب ومراقبة ، بخلاف ما إذا لم يترقب حصول شئ من ذلك ، فإنه لا يحصل له تحقق بذلك المقام الذي أتى به الوارد ، قال تعالى :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ
« 1 » فهذه المسكنة وقت إخراج الصدقات للفقراء والمساكين لا الأغنياء والمتكبرين ، فإذا لم يكن عند الذاكرين اشتياق وافتقار وطلب شيئا لا يعطاه . قال الغزالي ولهذه المسكنة ثلاثة آداب : أن يستحضر العبد أن اللّه مطلع عليه وهو في قبضته وبين يديه . وأن يجمع حواسه بحيث لا يتحرك منه شعرة واحدة كحال الهرة عند اصطياد الفأرة ، وأن ينفى الخواطر كلها ويجرى معنى اللّه اللّه على قلبه .
هامش
( 1 ) سورة التوبة آية 60 .