واعلم أن كل مريد متى احتج على شيخه بأقاويل العلماء ، أو اعتل عليه بكتاب أو سنة في جواز فعل المباح ، أو غيره ، لم يفلح أبدا ، كما إذا رآه شيخه يجمع دراهم لنائبات الدهر مثلا ، فنهاه عن ذلك ، فقال : الشارع جوّز ذلك ، فهذا في طريق وشيخه في طريق ، وإن الشيخ أعلم بالمريد من نفسه ، كالبيطار في أمور الدواب أعرف بأمراضها من أصحابها ، ونفس المريد الضعيف لا تميل إلا للرخص ، فتنفر ضرورة ممن يأمرها بما يشق عليها ، ومن الدسايس التي تدخل على المريد أن يطلب من شيخه دليلا على قوله ، فإن فعل ذلك فقد نقض عهده الذي بايعه عليه وهو العمل بكل ما قاله ببادئ الرأي ، فإذا بيّن له الدليل فالمراد إنما عمل بالدليل لا بقول شيخه ، ومن هنا طلب الغزالي من يسلكه ، ولم يكتف بمعرفته ، فالذي ينبغي للشيخ إذا رأى نفس المريد قويت عليه في الاستدلال والمجادلة معه أن يطرده ، لكن بحسن عبارة ، كأن يقول له : يا أخي قد صرت بحمد اللّه من أهل الطريق وأهل العلم ، فاستفد على من هو أعلم منى أنفع لك ، لأن الشيخ إذا ترك مثل هذا مقيما عنده أفسد عليه بقية أصحابه ، فإن كان به خير رجع وتاب واستغفر ، وإلا فقد استراح الفقراء منه .
ومن آدابه إذا أراد حضوره مع الشيخ أن يلبس أحسن ثيابه ، لأن حضرة الشيخ ملحقة بحضرة اللّه ، وينبغي قبل أن يحضر عنده أن يتوب من كل ذنب جناه ، قديما أو جديدا ، ليدخل حضرة شيخه على طهارة كاملة ، وإذا كان محله بعيدا عن الشيخ لا يجتمع عليه إلا بنية الزيارة دون غيرها .
وبالجملة فأقل ما يلزم المريد من الأدب مع شيخه أعظم ما يلزمك مع ملوك الدنيا ، فمن لم يعرف الأدب مع ملوك الدنيا لم يعرف الأدب مع الشيخ فالمشايخ باب المريد .
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 120
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص١٢٠