لأن ذلك دليل على أن الشيخ غير غافل عن تربيته ، وكذا لو مشاه طول الطريق وركب غيره لا يتكدر ، بل يفرح ويمشى في ركابه ، ويفوز بخدمته ، وكل هذه الأمور إذا فرح بها رقته إلى مراقي الكمال ، واللّه غنى حميد .
ومن آدابه أن لا يفشى سر شيخه ، ولو نشر بالمناشير ، ولا يجوز للمريد أن يتجسس على مقدار نوم شيخه أو أكله ، أو كم يتوضأ في اليوم والليلة مرات ، أو هل يأتي النساء كثيرا أو قليلا ، فكل ذلك من عقوق الوالدين وكشف لسوأتهم ، والعاق لا يرفع له إلى السماء عمل ، وربما كان اطلاع ذلك المريد على تلك الأحوال نقض مقام شيخه في قلبه ، لجهله بأحوال الكمل فيهلك ، كما مر ، وينبغي أن لا يسافر إلا بإذنه مطلقا ، ولو لسفر الحج ، لكن لا يخفى أن سفر الحج هو المحتاج للإذن ، لا نفس الحج .
ومن آدابه أن لا يتزوج امرأة طلقها شيخه أو مات عنها ، وإذا حصل منه هفوة في حضرة شيخه رجع وتاب ، لو تغافل عنها الشيخ ، خصوصا ودأب المشايخ الإغضاء عن بعض هفوات من المريد سيما إذا كان قريب عهد باجتماعه عليه ، يريد ذلك تأليفه ، وإذا أمر بخدمة أحد خدمه وقبّل يده ، ولو كان أنفس قدرا منه ، فيما يزعم ، وإذا منعه شيخه شيئا من المباح امتثله ، لأن الشيخ إنما قصده للمريد الترقي ، والمباح لا يترقى فيه ، ولا ثوابا ولا عقابا والمباحات ليس فيها سبيل للمريدين جملة واحدة بخلاف الأشياخ ، لأنهم في مرتبة ورثة الشارع ، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم يأتي المباح توسعا على أمته ، وكذا المشايخ يأتون ذلك توسعة على مريدهم ، لو وقعوا فيه ، وذلك لأن فعل المباح تنفيس للنفوس . من مشقة التكاليف ، والمريد الصادق لا يمل من العبادة إلا نادرا نحو كل شهر مرة بخلاف المريد الكاذب ، فإنه غالب أوقاته في المباح .
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 119
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص١١٩