لأن كل ما عداه من الأشياء عدم في نفسها ، وإنما هي موجودة بالوجود ؛ فكيف يتولد الوجود منها أو يتولد منه شيء منها ، وإنما نسميه الوجود للإيضاح والتفهيم والتقريب والتعليم ، وحاصله أنا نقول : إن الإيمان نور اللّه العظيم الذي هو ظاهر في القلوب بكمال الإجلال والتكريم ، ومن أسمائه تعالى المؤمن ، كما أن من أسماء عبده الصالح هو المؤمن .
ولهذا قال بعض العلماء : إن الإيمان ، قديم وذكر الكازروني « 1 » في حاشية على تفسير القاضي البيضاوي عند قوله تعالى :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
نقلا عن العلامة النيسابوري أنه قال : إن للإيمان وجودا في الأعيان ، ووجودا في الأذهان ، ووجودا في العبارة ، ولا ريب أن الوجود العيني لكل شيء هو الأصل ، وباقي الوجودات فرع تابع ، فالوجود العيني للإيمان هو النور الحاصل للقلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الحق ، وهذا النور قابل للشدة والضعف والازدياد والنقص :
وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً
« 2 » ( الأنفال : 2 ) .
فكلما ارتفع الحجاب ازدادوا نورا وتقوى ، ويتكامل إلى أن ينبسط نوره ، فتنشرح له الصدور ، ويطلع على حقائق الأشياء ، وتتجلى له الغيوب وغيوب الغيوب ، ويعرف كل شيء في موضعه فيظهر له صدق الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا سيما محمد
هامش
( 1 ) قال في الطبقات الكبرى للشعرانى ( 2 / 163 ) : أحد أصحاب سيدي علي بن ميمون شيخ سيدي محمد بن عراق ، وكان كثيرا المجاهدة والرياضة ، أخبرني أنه ربما يمكث الخمسة شهور أو أكثر لا يضع جنبه بالأرض لا ليلا ولا نهارا ، صحبته في الحج وانتفعت بكلامه وإشاراته ومواعظه ودقائقه في علم التوحيد ، وله رسائل نافعة في الطريق أطلعنى على بعضها ، وكان ذا تمكين ومحبة لستر مقامه بين الناس .
( 2 ) أي زادتهم تصديقا ، وهو كقوله تعالى :وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب كما هو مذهب جمهور الأمة ، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبى عبيد .
[ تفسير ابن كثير ( 2 / 292 ) ] .