فذكر موسى عليه السّلام صفات أبين ، وأشار إلى أن السؤال عن حقيقة ليس دأب العقلاء حيث قال :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
« 1 » ( الشعراء : 28 ) .
ويناسب هذا ما ذكره الجلال الدواني من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « سبحانك ما عرفناك حق معرفتك » .
وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « تفكروا في آلاء اللّه ، ولا تتفكروا في ذات اللّه ، فإنكم لن تقدروا قدره » « 2 » انتهى .
واللّه تعالى أقرب إلى كل شيء من نفس ذلك الشيء ؛ لأنه تعالى هو الوجود كما ذكرنا ، والوجود أقرب إلى كل شيء من نفسه ، واللّه تعالى غنى عن كل شيء ؛ لأنه تعالى هو الوجود ، ولا شك أن الوجود غنى عن كل شيء ؛ إذ لا احتياج للوجود إلى ما هو قائم به من جميع صور الأشياء المحسوسة والمعقولة ، وكل شيء مفتقر إلى اللّه تعالى ومحتاج إليه ؛ لأنه تعالى هو الوجود ، وكل شيء مفتقر إلى الوجود ومحتاج إليه ليظهر بالوجود ، والوجود ظاهر بنفسه « 3 » ، لا شيء من الأشياء أصلا ؛ لأن الوجود هو
هامش
( 1 ) أي هو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب ، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب - ثوابتها وسياراتها - مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها ، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقا ، فليعكس الأمر وليجعل المشرق مغربا والمغرب مشرقا كما قال اللّه تعالى :أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ[ تفسير ابن كثير ( 3 / 343 ) ] .
( 2 ) ذكره الزبيدي في الالتحاق ( 1 / 162 ) ، ( 6 / 536 ) ، والهيثمي في مجمع الزوائد ( 1 / 81 ) ، وابن كثير في تفسيره ( 7 / 441 ) ، وفي سنن سعيد بن منصور ( 2 / 110 ) ، وابن عربى في الضعفاء والمتروكين ( 7 / 256 ) ، والعجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 317 ) ، وذكره الألبانى في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ( 1788 ) .
( 3 ) قال الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين ( 1 / 216 ) في معرض ذكره لآراء المعتزلة حاكيا مذهبهم ، فيقول : إن اللّه واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ، ولا بذى حرارة ولا برودة ، ولا رطوبة ولا يبوسة ، ولا طول ولا عرض ولا عمق ، ولا اجتماع ولا افتراق ، -