أن الوجود الحق المطلق الواحد الموجود في الخارج هو اللّه تعالى لا غيره ؛ حيث قامت به السماوات والأرض « 1 » ، وتحققت به كل حقيقة في المحسوسات والمعقولات في الدنيا والآخرة .
وكم من موافقة بين أهل الإسلام وأهل الكفر في مسائل كثيرة لا تقتضى الكفر من المسلمين ولا الإسلام من الكافرين ، كالموافقة في الإيمان بنبوة موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والإيمان بالتوراة والإنجيل ونحو ذلك .
قال الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه في الفتوحات المكية في أوائل مقدمة الكتاب : « ولا يحجبنك أيها الناظر في الصنف من العلوم الذي هو العلم النبوي الموروث منهم - عليهم الصلاة والسلام - إذا وقفت على مسألة من مسائلهم وقف فيلسوف أو صاحب نظر في أي علم كان ، فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقق إنه فيلسوف ؛ لكون الفيلسوف « 2 » ذكر تلك المسألة وقال بها واعتقدها ، أو أنه نقلها منهم ، وأنه لا دين له ، فإن الفيلسوف قد قال بها ولا دين له .
فلا تفعل يا أخي ، فهذا القول قول من لا تحصيل له ؛ إذ الفيلسوف ليس كل علمه باطلا ، فعسى تكون تلك المسألة فيما عنده من الحق ، ولا سيما إن وجدنا الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد قال بها ، ولا سيما فيما وضعوه من الحكم ، والتبري من الشهوات ومكائد النفوس ، وما تنطوى عليه من سوء الضمائر ، فإن كنا لا نعرف الحقائق ينبغي لنا أن نثبت قول
هامش
( 1 ) في قوله تعالى :وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ( الروم : 25 ) .
قال ابن كثير : كقوله تعالى :وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ( الحج : 65 ) ، وقوله :إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا( فاطر : 41 ) .
وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا اجتهد في اليمين قال : « والذي تقوم السماء والأرض بأمره » ؛ أي هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها . [ تفسير ابن كثير ( 3 / 445 ) ] .
( 2 ) قال الصنعاني : إنه من الواجب نقد الفلاسفة ومن تابعهم ؛ إذ إنهم عادوا علوم القرآن ، وفارقوا فريق القرآن ، وصنفوا في التحذير من الاعتماد على ما فيه من التباين في معرفة الديان وأصول قواعد الأديان ، وحثوا على الرجوع في ذلك إلى معرفة قوانين المبتدعة واليونان ، منتقصين لمن اكتفى بما في معجز التنزيل من البرهان مقيما لتلقى كثير من محكماته بالقبول والإيمان . [ ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان ( 8 ) ] .