على أنه أجاب في كتابه المذكور عن قوله هنا : « لأن بعد ما نتصور الوجود المجرد نطلق البرهان وجوده في الأعيان ، فيكون وجوده زائدا ويتسلسل ؛ حيث أورد نظير ذلك » .
ثم قال : « والذي علم بالضرورة استحالة حصوله في العقل والخيال ، هو هويات السماوات « 1 » لا صورها الكلية والجزئية ، فإن وجود المعدوم في الذهن الموجود الخارج ، إنما هو صورة ذلك .
وبالجملة ماهية الشيء - أعنى صورته العقلية - مخالفة لهويته العينية في كثير من اللوازم » انتهى ملخصا .
فتصور الوجود المجرد ليس هو نفس الوجود المجرد ، بل هو صورته في الذهن ، فإذا طلبنا بالبرهان وجوده في الأعيان لا يكون وجودا زائدا على ما لا يخفى ، والحق الذي لا محيص عنه هو ما ذهبنا إليه في هذا الكتاب وقررناه لإفهام ذوى الألباب ، وهو الحق المبين من غير شك ولا ارتياب ، وكون مذهب الفلاسفة الذي لا دين لهم « 2 » بأن الواجب هو الوجود المطلق المجرد الموجود في الخارج وجميع الموجودات إنما هي موجودات بإضافتها إليه لا يضرنا موافقتهم في ذلك ، لا بل موافقتهم لنا في ذلك ، فإن الشرائع والأديان التي جاء بها الأنبياء والمرسلون - عليهم الصلاة والسلام - هي الأصل .
وإنما غير أهلها يوافقون أهلها ، لا أن أهلها يوافقون غيرهم فيها ، وهي كلها مبنية على
هامش
( 1 ) يقول الكندي في رسالته في وحدانية اللّه ( ص 206 ) : الانتهاء إلى زمن محدود موجود ، فليس الزمان متصلا مما لا نهاية له ، بل من نهاية اضطرارا ، فليست مدة الجرم بلا نهاية فانية الجرم متناهية ، فيمتنع أن يكون جرم لم يزل ، فالجرم إذن محدث اضطرارا والمحدث محدث المحدث ، إذا المحدث والمحدث من المضاف فلكل محدث اضطرارا عن ليس .
( 2 ) هاجم مجموعة من كبار علماء أهل السنة والجماعة الفلاسفة ، أوردنا بعضها فيما سبق ونورد قول السيوطي فيهم ، قال : إنهم - أي الفلاسفة - زاغوا عن طريق الحق ونبذوا الدين وراء ظهورهم ؛ إذ أنهم رجعوا إلى عقولهم وخواطرهم وآرائهم ، وإذا سمعوا شيئا من الكتاب والسنة عرضوه على معيار عقولهم ، فإن استقام قبلوه وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه ، وإن اضطروا إلى قبوله حرفوه بالتأويلات البعيدة والمعاني المستنكرة .