وذاك في أزل الآزال ليس لنا * بداية فيه فهو الخالق الصّمد
فاشهده فيك ولا تشهد لنفسك مع * شهوده أنت معدوم ومفتقد
وكلّنا لم نزل في علمه أبدا * وعلمه ذاته بل علمه الأبد
هو الوجود ومعلوماته ظهرت * من علمه فيه لا يحصى له عدد
وإنّه الحقّ فرد واحد وبه * كلّ الخلائق منه دائما جدد
فيظهرون سريعا بالوجود فهم * بأمره الحقّ مثل البرق يتّقد
وأمره واحد وهو الوجود لهم * ذات هي الغيب لم تولد ولا تلد
وقال رضي اللّه عنه :
نحن علم اللّه في اللّه وما * لفتى منّا سوى اللّه وجود
نحن معلوماته في علمه * ولنا من ذاك إكرام وجود
لا تقل أوجدنا اللّه ولا * إنّنا وجود حقّ ذو حدود
نحن يا ابن اليوم شيء هالك * من قديم للفنا فيه عهود
جلّ وجه اللّه أن نشركه * بوجود أو بقاء أو صمود
نحن كالبرق سريعا نختفي * ثمّ نبدو لمحة ثمّ نعود
هكذا يذكرنا اللّه على * كثرة الأطوار من غير جمود
فاعرفونا تعرفوا أنفسكم * مثلنا واحترزوا من الجحود
ما له ذكر سوى من علمه * بجميع الخلق من بيض وسود
فهو لا يخرج عنه كائن * بل من العلم إلى العلم يرود
كلّهم فيه ولا كلّ لهم * عدم حاق به محض وجود
واسع قال عليم ربّنا * وسعت رحمته كلّ الجنود
فالّذي يؤمن بالحقّ الّذي * قلته نال مقامات السّعود
والّذي ينكر أشقى هو من * عاقر النّاقة في قوم ثمود « 1 »
وهو علم اللّه أيضا مثلنا * نازل للذكر من غير صعود
وقال رضي اللّه عنه :
يا من غفلتم وجوهكم سود * وربّكم في الخيال مولود
خيالكم ولد الإله لكم * أنتم عبيد وذاك معبود
هامش
( 1 ) عقر الرجل البعير أو الفرس : قطع إحدى قوائمه ليسقط ويتمكّن من ذبحه .