والعالم ليل أجمعه * يا غفلة عبد يرقده
فاحذر يلهيك تلبّسه * والظاهر فيك تجدّده
واظهر بالحمد له أبدا * قد فاز به من يحمده
وقال رضي اللّه عنه :
أصابع الغيب فينا حرّكت عوده * وحرّقت تحت أذيال الحجا عوده
العقل أوّل مخلوق به وردت * أخبار طه رسول اللّه مقصوده
وليس ثمّ سواه واحد هو في * عين الحقيقة لاحت بيضه سوده
وذاك عقل وجود الحقّ قد ظهرت * عنه التصاوير بالتقدير محدوده
وفيه قوّة تصوير الحقائق من * حسّ ومعنى مدى الأوقات مشهوده
وكلّ شيء من الأشياء أجمعها * قامت فمذمومة فيه ومحموده
والحقّ صوّرها حتّى تصوّرها * فيه فصارت بهذا الأمر موجوده
فالعقل في كلّ شيء ظاهر أبدا * بمقتضى الشيء يعطي نفسه جوده
وحقّق القول إنّ الشيء منه له * رقيقة هي بالتحقيق ممدوده
مثل الأشعة عنه الكلّ قد ظهروا * قبضا وبسطا ليبدي الكلّ مجهوده « 1 »
إنّا فتحنا عليهم باب معرفة * وما سواه من الأبواب مسدوده
وقال رضي اللّه عنه :
حرارة عشقه تعطي بروده * إذا لبس الورى فغدوا بروده
وجود قدّر الأكوان حتّى * لهم أعطى وما أعطى وجوده
عطاء توجّه منهم عليهم * بهم يعطيك مطلقة قيوده
كما يعطي تفكرك المعاني * بتصوير لها يبدي حدوده
وأحضرهم لهم وله بوجه * إليهم منه يولي الكلّ جوده
وليس الوجه غير توجهات * لما في علمه تنفي صدوده
وهذا كان منه لما اقتضته * محبته لهم فرأوا ودوده
هامش
( 1 ) القبض والبسط : وهما حالتان بعد ابتعاد العبد عن حالتي الخوف والرجاء ، فالقبض للعارف بمنزلة الخوف للمستأنف ، والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمستأنف . ( للتوسع انظر حديث القشيري عن مصطلحي القبض والبسط برسالته ص 58 - 60 ) .