مشترك بين الحق وبين العبد ، والقرآن مخصوص به تعالى ، وما تعملون من عمل مخصوص بنا ، وجمع الشهود لاختلاف حضرات الموجود ، فهو شأن في مقام الاشتراك ، وهو قرآن في مقام الألوهية ، وهو عمل في مقام العبودية .
( فأراد ) نوح عليه السلام ( بالرب ثبوت التلوين ) ، أي استمراره على وتيرة واحدة بحيث يبقى كثيرا واحدا ، وهو التمكين في التلوين وهو مقام عالي ، ولو أن القائل كل يوم تتلون غير هذا بك أحسن قال مكان ذلك كل يوم تتلون أن هذا بك أحسن لكان أحسن ( إذ لا يصح ) في الوجود الكوني ( إلا هو ) ، أي التلوين لأنه به قيام الكون ، فإن الكون لون متكرر ، ولا تكرار لسعة الحضرات والتجليات ، فهي ألوان مختلفة وهي أكوان مؤتلفة .
وهذا هو الذي يصح إذ لا يصح الوقوف ولا الثبوت المعروف ، فإن الكل حركة وفي الحركة بركة والبركة هي الزيادة ، والزيادة خارجة عن الأصل ، وقيامها بالحركة الأمرية وهي كلمح البصر وذلك هو التلوين ( لا تذر ) ، أي تترك ( على الأرض ) ، التي هي بعض أجزائها ( يدعو عليهم ) جزاء لتكذيبه فيما دعاهم إليه مما هم فيه ( أن يصيروا في بطنها ) ، أي الأرض ليطلعوا على حقيقة ما دعاهم إليه ( وهو في الوارث المحمدي ) قوله صلّى اللّه عليه وسلم ( لو دليتم بحبل لهبط ) ذلك الحبل ( على اللّه ) « 1 » من حيث إنه تعالى حامل قال تعالى :
وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
[ الإسراء : 70 ] ، والحبل هو القرآن .
قال تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
[ آل عمران : 103 ] فإن من اعتصم به وتدلى أي تواضع للّه رفعه اللّه إليه ، فيفنى وجوده ويبقى وجود الحق سبحانه وتعالى وقال تعالى :
( لَهُ ما فِي السَّماواتِ )
من العوالم العلوية التي هي مدفونة فيها ، أي مندرجة في حقائق سكانها
( وَما فِي الْأَرْضِ )
[ البقرة : 255 ] من العوالم السفلية المدفونة فيها ، وكونها له ظهوره بها لأنه بكل شيء محيط ، فله الفوق وله التحت من بعض ما له فلا يفيده ذلك .
* * *
هامش
( 1 ) ورد بلفظ : والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم رجلا بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على اللّه ، ثم قرأ :هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( 3 ) [ الحديد : 3 ] رواه الترمذي في سننه ، باب ومن سورة الحديد حديث رقم ( 3298 ) [ 5 / 403 ] والطبراني في الأوسط ، من اسمه علي ، حديث رقم ( 4107 ) [ 4 / 248 ] ورواه غيرهما .