السابق بالخيرات بإذن اللّه ، وهو الذي يراعي حقوق نفسه فقط ، فيعمل الخيرات ويسارع فيها لأجل حصول السعادة له في الدنيا والآخرة ، وطمعا في النجاة من اللّه تعالى ورغبة في الثواب .
( إِلَّا ضَلالًا )
[ نوح : 24 ] فيك ( أي حيرة ) وهي الهداية لا جزم فيها بشيء معقول ولا محسوس ، لأنه تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ولا حكم فيها بإثبات ولا نفي لأن كل مثبت بالعقل حادث وكل منفي بالعقل حادث أيضا ، والحق سبحانه ثابت ثبوتا ليس محتاجا إلى مثبت ( و ) هذه الحيرة ( في ) مقام الوارث ( المحمدي ) يشير إليها قوله عليه السلام : ( زدني ) اللهم ( فيك تحيرا ) حيث كانت الحيرة هداية إليك ، لأن الهداية في كل شيء بحسبه فالهداية إلى العظيم الحيرة في عظمته ومنه قوله تعالى :
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
[ الضحى : 7 ] أي متحيرا في عظمة ربك فهداك بحيرتك تلك إلى معرفته . وقال تعالى في مقام الحيرة أيضا :
( كُلَّما أَضاءَ )
، أي أشرق
( لَهُمْ )
بهم من تجلي اسمه الظاهر ، فتحققوا به
( مَشَوْا )
في عالم وجودهم الحسي والعقلي
( فِيهِ )
فكانوا معدومين قائمين بموجود
( وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ )
فاستتر عنهم من تجلى اسمه الباطن فشهدوا أنفسهم وغفلوا عنه
( قامُوا )
[ البقرة : 20 ] ( له ) على قدم العبودية مشتغلين بالعبادة فهم بين هذين المقامين مترددون لا يستقر بهم القرار في أحدهما فيهتدون .
( فالمحير ) الذي حيرته المعرفة الإلهية في ربه عز وجل ( له الدور ) كلما علم اللّه تعالى شعر أن الذي علمه حادث مثله من حيث إن اللّه تعالى قديم والقديم لا يوجد في علم غير القديم فينبغي ما يجده في علمه لشعوره بأنه حادث ، ثم يثبت ما يعلم أنه اللّه تعالى منزها عن كل تشبيه وتكييف مؤمنا به على حسب ما هو عليه في غيبه المطلق لضرورة إيمانه به ، ثم يشعر بأن الذي أثبته حادث مثله أيضا وإن كان منزها عن مشابهة الحوادث ، فإن هذا التنزيه حكم من حادث فلا يقع إلا على حادث ، فينفي ما ثبت ثم يثبت أعلى منه ، ثم يشعر بحدوثه أيضا فينفيه وهذه كيفية السير إلى اللّه تعالى يضع قدمه ثم يرفعه ثم يضعه أرقى منه ثم يرفعه وهكذا كما قال ابن الفارض رضي اللّه عنه :
قال لي حسن كل شيء تجلى * بي تملّى فقلت قصدي وراكا
فهو ينتقل دائما من حادث إلى حادث وفي زعمه أنه ينتقل من حادث إلى قديم . فالقديم عنده موهوم والحادث متحقق ، وذلك من ضرورة الإيمان باللّه تعالى ، وهو تشبيه اللّه تعالى ثم تنزيهه على حسب ما قدمناه ، وهذا معنى الدور المذكور ( و ) له أيضا ، أي لصاحب الحيرة ( الحركة الدورية ) من كون إلى كون من نفسه إلى ربه