في المحمّديّين :
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ
( 6 ) [ التكوير : 6 ] من سجّرت التّنّور إذا أوقدته .
( وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ )
يعني ( لأنفسهم ) بعدم إيفاء نفوسهم حقوقها مما تطلبه منهم من الحظوظ العاجلة والآجلة رغبة في إطاعة الرب سبحانه وتعالى ، وأنها كافي مرضاته تعالى وهم قومه من حيث أسرارهم وأرواحهم لأنهم مطيعون من هذا الوجه لا من حيث نفوسهم وأشباحهم ، لأنهم عاصون من هذا الوجه باعتبار أن الروح ناظرة إلى تقلب شؤون الرب والنفس ناظرة إلى اختلاف أفعال العبد ، فالإيمان والمعرفة في الأرواح والكفر والضلال في النفوس والأشباح ، ونوح عليه السلام ناظر إليهم بعين الحقيقة وبعين الشريعة ، وكلامه في حقهم صالح لهم في الحالتين ودعاء لهم وعليهم باعتبار الطورين المذكورين ، وحيث كان طور النفوس والأشباح مما لا خفاء فيه على العامة فضلا عن الخاصة ، وكفرهم وضلالهم في هذه الطور معلوم لم يحتج المصنف رحمه اللّه تعالى إلى التعرض ، وإنما تعرض للطور الآخر الخفي عن بعض أهل الخصوص فضلا عن أهل العموم ، لأن كتابه هذا في بيان الحقائق والأسرار الإلهية للشرائع والأحكام الربانية لا في بيان الشرائع والأحكام فقط ، مثل كتب علماء الرسوم التي علومهم هي علوم المؤمنين لا علوم خاصتهم ( المصطفين ) نعت للظالمين أنفسهم .
( الذين أورثوا ) ، أي أورثهم اللّه تعالى ( الكتاب ) الجامع للخلق والأمر في رتبة التفصيل والإجمال ( فهم ) ، أي المصطفون الظالمون أنفسهم ( أول الثلاثة ) الذين اصطفاهم اللّه تعالى فأورثهم كتابه القديم ، فنسب إليهم على حد ما ينسب إليه تعالى لزوالهم عن أنفسهم وأشباحهم وقيامهم في حضرته بأسرارهم وأرواحهم ، أما باعتبار حقائق ذواتهم وإن لم يشعروا بها وهم الصم البكم الذي لا يعقلون الحق الظاهر بهم له لا لهم ، أو باعتبار شهودهم ذلك من حقائق ذواتهم ، وهم الصم البكم العمى الذين لا يعقلون غير الحق تعالى الظاهر بهم له ، ثم لهم وبحسب التفاوت في هذين المقامين انقسموا إلى ثلاثة أقسام .
قال تعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
[ فاطر : 32 ] وهم جميع بني آدم بالاعتبارين المذكورين
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ
[ فاطر : 32 ] ( فقدمه ) ، أي الظالم لنفسه ( على المقتصد والسابق ) بالخيرات ، لأنه شرفه عليهما باعتبار ظلم نفسه في مرضات اللّه ، ثم دون المقتصد وهو المتوسط الذي تارة يراعي حقوق اللّه وتارة يراعي حقوق نفسه ، ثم ما دونه