فعلى الناقص لا المهموز ، بمعنى ظهرت . وفي التعبير عن صدور النفس عن العقل بالمهموز أي الابتداء ، وعن صدور الموجودات عن النفس بالناقص أي الظهور ، سرّ لطيف أظنّه لا يعرفه كلّ عريف : وهو أنّ صدور النفس عن العقل ليس بأن تكون هي مندمجة فيه ثمّ ظهرت منه ، بل هي هو « 1 » شائيا بمشيّة اللّه كونه مصدرا لجميع ما تحته ، فظهور النفس من العقل ، بل ظهور الكلّ منه ابتدائيّ لا يسبقه أثر من النفس ؛ إذ العقل - كما حقّقنا - هو النفس الباطنة والنفس هو العقل الظاهر ، لا أنّهما موجودان متبائنان اتّصف أحدهما بالظهور والآخر بالبطون ، بل النفس هي العقل الظاهر بصورة الشوق والبارز بصفة المشيّة والتوق « 2 » لإظهار الجواهر العقلية المودّعة فيه .
وأمّا الموجودات الصادرة من النفس فهي أنوار عقليّة وجواهر روحانية مندمجة في العقل ، فالنفس موجودة بالوجود العقلي المتأحّد بالعقل كما أومأنا إليه آنفا فصدورها عن « 3 » النفس ليس ابتدائيا بل ظهور بعد بطون ، وبروز غبّ كمون ، حيث ابتدأت من البارئ الأوّل في العقل ، ثم ظهرت في النفس العقليّة ؛ فقاطبة الحقائق بالنظر إلى البارئ القيّوم ابتدائية وبقياس بعضها إلى بعض اختلفت أحكامها بالابتداء والبدأ . وإلى الحكم الأوّل أشير في زبور آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله بقول مولانا السجاد - صلوات اللّه عليه وعلى آبائه وأولاده الأطهار - « 4 » : « إذ كلّ نعمك ابتداء » . وكأنّه أراد الحكم الثاني بعض المشايخ حيث قال في شأن الموجودات « 5 » : « هي شؤون يبديها ، لا شؤون يبتديها » أي هذه الموجودات بالقياس إلى النفس الملكوتية التي وقعت في أفق عالم الوجوب والإمكان وهي البرزخ الذي بينهما لا يبغيان فهي عقل من الجنبة العالية ونفس من الجنبة السافلة « شؤون يبديها » أي يظهرها النفس بعد ما خفيت في ذاتها العقليّة وبطنت في جنبتها العالية وليس ذلك ابتداء وجود تلك الأشياء بل ابتداء وجودها في المرتبة العقلية حيث صدرت من بارئها القيّوم - تعالى
هامش
( 1 ) . ن : - هو .
( 2 ) . ن : النوق .
( 3 ) . ن : من .
( 4 ) . الصحيفة السجادية ، دعاء 12 .
( 5 ) . الكشاف ، ج 4 ، ص 448 : نقل في تفسير الآية 29 من سورة الرحمن : « كل يوم هو في شأن » أنّ عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل ( وهو حسين السرخسي المتوفى 282 ه ) وقال له أشكلت عليّ ثلاث آيات . . . وقوله :كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍوقد صحّ أنّ القلم قد جفّ بما هو كائن إلى يوم القيامة . . . فقال الحسين : . . . وأمّا قوله : « كل يوم . . . » فإنّها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها .