العقل الكل الذي صدرت منه .
إيقاظ [ في العقل والنفس وسرّ التعبير عن العقل بالواحد وعن النفس بالمتوحد ]
وأمّا سرّ التعبير عن العقل ب « الواحد » وعن النفس ب « المتوحّد » فهو أنّ العقل واحد وحدة حقيقيّة جمعيّة ذاتية ؛ لأنّه صدر عن الواحد الحق المحض بالوحدة الغير العددية التي هي مبدأ الوحدة العددية بأقسامها . ومن البيّن في المقامات البرهانيّة أنّه لا خصوصيّة لشيء دون شيء في الصدور عن الحق - تعالى شأنه - وإلّا لزم أن يكون فيه سبحانه جهة وجهة ، حيث وحيث . وقد ثبت أيضا بالقواطع البرهانية أن ليس فيه جهة وجهة ، ولا حيث وحيث ؛ لأنّه واحد من جميع الجهات من دون تكثر جهة ولا تعدّد اعتبار « 1 » ؛ وأنّه لا تختلف نسبته - عزّ شأنه - بالقرب والبعد عن الأشياء ؛ وأنّ ذلك من المقرّر عند العقلاء والمتضافر في أخبار الأنبياء والأولياء حيث هي ناصّة بأنّ نسبته تعالى في القرب والبعد سواء لم يقرب منه قريب ولم يبعد منه بعيد إلى غير ذلك كما لا يخفى على المتتبّع للآثار والأخبار « 2 » .
ثمّ إنّه ممّا قد فرغ عنه في الحكمة المتعالية أنّ الواحد لا يصدر عنه من جهة واحدة إلّا الواحد « 3 » ؛ بل ذلك عند النظر العرفاني بديهي ، عاضده الكلم الفرقانىّ : قال تعالى :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ
« 4 » وفي الأخبار ما يكاد يتواتر بالمعنى : أنّ اللّه - جلّ مجده - خلق أوّلا أمرا واحدا - أيّ شيء كان على اختلاف التعبيرات - ثمّ خلق منه الأشياء وذلك كالصريح فيما ادّعينا .
ثمّ من المستبين أيضا أنّه ليس شيء حريّا بالصدور عنه تعالى إلّا العقل ؛ إذ النفس فعلها في المادّة فلا تكون المادّة فعلا لها ولا هي تسبقها ؛ وكذا المادّة ؛ إذ لا تتأتّى منها أصلا ؛ الصورة إنّما وجودها بالمادة فكيف تكون فاعلة لها ؛ والجسم متأخر عن المادّة
و
هامش
( 1 ) . راجع : الأسفار الأربعة ، ج 7 ، الفصل 9 ، في أنّه بسيط الحقيقة ، ص 100 .
( 2 ) . راجع : الكافي ، ج 1 كتاب التوحيد ، ص 108 .
( 3 ) . إشارة إلى قاعدة « الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد » ( الأسفار الأربعة ، ج 7 ، ص 204 ) .
( 4 ) . القمر : 50 .