الحقائق بصور متخالفة وتتطوّر بأطوار متغايرة لم تنثلم بذلك وحدتها هذه ولا تضرّ بأحديّة جمعه ، وذلك لسعة دائرة العالم العقلي وعدم تقيّد ما في ذلك العالم بحصر وجودي حيث يكون كل شيء من هذا العالم الشريف في كل شيء .
ولنا على هذا الأصل براهين قويمة وللوصول إليه طرق مستقيمة . والذي يدلّك على التصديق به هاهنا هو أنّ التفاوت والتجزئة والاختلاف والبينونة إنّما هي من لوازم الكمية ومن توابع الحقائق المادية فحيث لم تكن هذه لا تكون تلك . وأنت إذا ترقّيت « 1 » قليلا من العالم الحسي وشاهدت سعة الأفق الخيالي وأنّ الشيء الواحد يترااى في هذا العالم بصور مختلفة في أماكن متعددة أمكنك أن تتحدّس ذلك إلى جمعية هذا الموطن العقلي وحيطة ذلك العالم الإلهي .
إشارة [ 2 ] [ للحقائق العلمية تنزلات شتى ]
كما أنّ الأمور المتأدّية إلينا من الحس إنّما ينال كلّ واحدة من القوى الباطنة نصيبها منها غير ما تنال القوة الأخرى منها ؛ مثلا إذا أذقنا شيئا فنصيب القوة الذائقة منه هو إدراك الطعم ، وحظّ القوى الطبيعية هو الإحالة والهضم على اختلاف أفاعيلها وأفانين حظوظها ؛ وأمّا القوى الحيوانية فلها من ذلك الالتذاذ أو التنفّر وتخيّله على حسب ما « 2 » يطلبه أو يهرب منه ؛ وللقوى النطقية الوصول إلى حقيقته والاغتذاء بخالص لبّه اغتذاء يليق بشأنها ويناسب مرتبتها مع أنّ الأمر المحسوس واحد والمدرك له في جميع المراتب واحد . وأنت إذا تعرّفت الشأن في صعود الكلم الطيّب إلى عالم الروح فاعرف الأمر في نزول حقيقة روحية إلى عالم الحس حذو القذّة بالقذّة ، فكذلك للحقائق العلمية تنزلات شتّى وتطورات لا تكاد تتناهى :
فمنها أنّها تتنزّل في كسوة الأعيان الخارجية إلى أن انتهت إلى الأشخاص الجزئية وربما تتنزّل في كسوة المعاني والكلمات التامات إلى أن انتهت إلى الألفاظ والعبارات ، ولها تنزلات أخرى لا يسع المقام ذكرها .
هامش
( 1 ) . م : توفيت .
( 2 ) . م : + يظنّه حتى .