تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاربعينيات لكشف أنوار القدسيات — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
كلها حيّة انبعثت من مبدأ واحد إلّا أنّ لكلّ منها حياة تليق بها وكلها جواهر ليست بأجرام ولا تقبل التجزئة ؛ فأمّا نفس الإنسان فإنّها ذات أجزاء ثلاثة : نباتية وحيوانية ونطقية وهي مفارقة للبدن عند انتقاضه وتحليله غير أنّ النفس النقية الطاهرة التي لم تتدنّس بأوساخ البدن إذا فارقت عالم الحس فإنّها سترجع إلى تلك الجواهر سريعا . وأمّا التي قد اتصلت إلى البدن وخضعت له وصارت كأنّها بدنية لشدة انغماسها في لذات البدن وشهواته ، فإنّها إذا فارقت البدن لم تصل إلى عالمها إلّا بتعب شديد حتى تلقي عنها كل وسخ . ثم قال بهذه العبارة : وأمّا ما كان ينبغي أن نذكره للذين لا يقبلون الأشياء إلّا بقياس وبرهان فقد فرغنا عن ذكره بكلام موجز على حقه وصدقه . وأمّا الأشياء التي ينبغي أن نذكرها للذين لا يصدّقون بالأشياء إلّا بمباشرة الحس ، فنحن ذاكروها وجاعلوها مبتدأ قولنا من « 1 » الشيء الذي قد اتفق الأولون والآخرون : وذلك أنّ الأولين قد اتفقوا على أنّ النفس إذا صارت دنسة وانقادت للبدن في شهواتها حلّ عليها غضب من اللّه ، فيحرص المرء عند ذلك على أن يرجع عن أفعاله البدنية وينفض « 2 » شهوات البدن ويتضرع إلى اللّه تعالى ويسأله أن يكفّر عنه سيّئاته ويرضى عنه . وقد اتفق على ذلك أفاضل الناس وأراذلهم . وقد اتفقوا أيضا على أن يترحّموا « 3 » على موتاهم والماضين من أسلافهم ويستغفروا لهم . ولو لم يوقنوا بدوام النفس وأنّها لا تموت لما كانت هذه عادتهم ولا صارت كأنّها سنة طبيعية لازمة مضطرة . وقد ذكروا أنّ كثيرا من الأنفس التي كانت في هذه الأبدان وخرجت منها ومضت إلى عالمها لا تزال مغيثة لمن استغاث بها والدليل على ذلك الهياكل التي بنيت لها وسميت بأساميها ، فإذا أتاها المضطر أغاثوه ولم يرجعوه خائبا . فهذا وشبهه يدلّ على أنّ النفس التي مضت من هذا العالم إلى ذلك العالم لم تمت و
هامش
( 1 ) . أثولوجيا : في . ( 2 ) . أثولوجيا : يبغض . ( 3 ) . ن : ترحموا .