لم تهلك لكنّها حية باقية بحياة لا تبيد ولا تفنى .
ثم قال بعد كلام يشبه رمزا إلى النفس الإلهية بهذه العبارة : فأمّا أنباذقلس فقال : إنّ الأنفس إنّما كانت في المكان العالي الشريف ، فلمّا أخطأت هي سقطت إلى هذا العالم . وإنّما صار هو أيضا إلى هذا العالم فرارا من سخط اللّه تعالى ؛ لأنّه لمّا انحدر إلى هذا العالم صار غياثا للأنفس التي قد اختلطت عقولها [ فصار ] « 1 » كالإنسان المجنون ، نادى الناس بأعلى صوته وأمرهم أن يرفضوا هذا العالم وما فيه ويصيروا إلى عالمهم الأول الشريف ؛ وأمرهم أن يستغفروا الإله عزّ وجلّ لينالوا بذلك الرحمة والنعمة التي كانوا فيها أولا .
وقد وافق هذا الفيلسوف فيثاغورس في دعائه الناس إلى ما دعا ، غير أنّه إنّما كلّم الناس بالأمثال والأوائد « 2 » ؛ فأمر بترك هذا العالم ورفضه والرجوع إلى العالم الأول الحق .
وأمّا أفلاطون الشريف الإلهي فإنّه قد وصف النفس فقال فيها أشياء كثيرة حسنة . وذكر في مواضع كثيرة : « 3 » كيف انحدرت النفس فصارت في هذا العالم ، وأنّها سترجع إلى عالمها الحق الأول إلى أن قال : ثم قال يعني أفلاطون الإلهي : إنّ البدن للنفس إنّما هو كالمغار ، وقد وافقه على ذلك أنباذقلس غير أنّه سمّى البدن « الصدى » وإنّما عنى أنباذقلس بالصدى هذا العالم بأسره .
ثم قال أفلاطون : إنّ إطلاق النفس من وثاقها إنّما هو خروجها من مغار هذا العالم والترقي إلى عالمها العقلي .
وقال أيضا : إنّ علة هبوط النفس إلى هذا العالم إنّما هو سقوط ريشها فإذا ارتاشت ارتعت إلى عالمها الأول .
وقال في بعض كتبه : إنّ علل هبوط النفس إلى هذا العالم أمور شتّى وذلك أنّ منها ما يهبط لخطيئة « 4 » أخطأها . وإنّما يهبط إلى هذا العالم لتعاقب وتجازى على خطاياها ؛ ومنها
هامش
( 1 ) . جميع النسخ : فصارت / أثولوجيا : فصار .
( 2 ) . أثولوجيا : الأوابد .
( 3 ) . ق : + و .
( 4 ) . ن : الخطيئة .