علمت أيّ قوة أنا من هذه الصورة - ولله الحمد على ذلك - ولا تظنّن يا ولي أنّ اختصاصنا في المنزلة بهذه الصورة منزلة القوى الحسية من الإنسان بل من الحيوان أنّ ذلك نقص بنا عن منزلة القوى الروحانية لا تظنّ ذلك بل هي أتمّ القوى ، لأنّ لها الاسم « الوهّاب » لأنّها هي التي تهب القوى الروحانية ما تتصرف فيه وما تكون به حياتها العلمية من قوة خيال وفكر وحفظ وتصوير ووهم وعقل ، كل ذلك نستمدّ من موادّ هذه القوى الحسية ولهذا قال تعالى في الذي أحبّه من عباده : « كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به » فذكر الصورة المحسوسة وما ذكر من القوى الروحانية ولا أنزل نفسه منزلتها لأنّ منزلتها منزلة الافتقار إلى الحواس والحق لا ينزل منزلة من يفتقر إلى غيره والحواس مفتقرة إلى اللّه لا إلى غيره ، فنزل سبحانه لمن هو مفتقر إليه لم يشرك به أحدا ، فمن أعطاها الغنى فهي تؤخذ منها وعنها ولا تأخذ هي من سائر القوى إلّا من اللّه ، فاعرف شرف الحس وقدره وأنّه يصير عين الحق بمقتضى هذا الخبر ، ولهذا لا يكمل النشأة الآخرة إلّا بوجود « 1 » الحس والمحسوس لأنّها لا تكمل إلّا بالحق .
فالقوى الحسية هم الخلفاء على الحقيقة في أرض هذه النشأة عن اللّه تعالى ، ألا تراه سبحانه كيف وصف نفسه بكونه سميعا بصيرا متكلما حيّا عالما قادرا مريدا ؛ وهذه صفات لها أثر في المحسوس ، ويحسّ الإنسان من نفسه قيام هذه القوى به .
ولم يصف سبحانه نفسه بأنّه عاقل ولا مفكّر ولا متخيّل وما ينبغي له من القوى الروحانية إلّا ما للحسّ مشاركة فيه وهو « الحافظ » و « المصوّر » فإنّ الحس له أثر في الحفظ والتصوير ، فلو لا الاشتراك ما وصف الحق بهما نفسه ، فهاتان صفتان روحانية وحسية .
فتنبّه لما نبّهتك علمه فأعلمتك أنّ الشرف كلّه في الحس وأنّك جهلت أمرك ، فلو علمت نفسك علمت ربّك ؛ كما أنّ ربك علمك وعلم
هامش
( 1 ) . ن : وجود .