فتوح [ 8 ] [ القول الوسط في الجسم ]
القول الوسط والحق البحت هو أنّ الأمر ليس كما اشتهر بين أتباع المشائين ولا كما يقوله معظم الإشراقيين ، بل الأمر في حقيقة الجسم بين بين ، والوسط أسلم من الطرفين وهو - حسب ما عقلنا من الله من مزيد فضله - أنّ الهيولى ليست تحتاج في تقوّمها ، ولا في صدورها عن جاعلها ، ولا في فعلية وجودها وتشخصها ، وبالجملة ليست بمحتاجة إلى الصورة وإنّما لها القبول الذاتي والاقتضاء الفطري لتلك الصورة الطبيعية حتى تصير جسما طبيعيا ، فيتصحح لها ظهور ما أودع الله « 1 » قوّته في ذاتها . وهذا المعنى لها بالنظر إلى كافة ما يتلبس به سواسية ، لكنّ الفرقان هو أنّها بانضمام الصورة الأولى إليها تصير حقيقة متأصلة من الحقائق الجوهرية وقسما على حدة من الأقسام الأولية بخلاف انضياف الصور الباقية ، فإنّ الهيولى معها لا تصير قسما برأسها من الجواهر ولا يتصحح لها بانضمامها اسما من الأسماء الأخر ، بل أيّة صورة كانت تتصوّر بها الهيولى فلا يخرجها عن نوعية الجسم ولا يصدق عليها غير هذا الاسم ؛ وبالجملة الهيولى في عالم الأجسام ومضيق التركيب تحاذي الجوهر في عالم البساطة .
فكذا بانضياف الفصول تتحصل الحقائق الجوهرية فكذا هاهنا بانضمام الصور إليها تتحقق الأنواع الجسمية . هذا هو الحق بين المذهبين وبذلك يرتفع الخلاف من البين ؛ فتدبّر !
فتوح [ 9 ] [ في كيفية قبول الهيولى الصورة الجسمية ]
لعلّك الآن تشتاق ما العلة في أن تصير الهيولى بانضياف الصورة الأولى إليها دون باقية الصور ، فاستمع أنّ قبولها للصورة الجسمية إنّما هو بمحض استعدادها الذاتي المكتسب عن الفيض الأقدس من دون حركة حسية بل بحركة من نفسها ذاتية خارجة عن أفق
هامش
( 1 ) . ن : إليه .