فائدة [ 4 ] [ في سبب تشخص المادة وكيفيته ]
اعلم أنّ معنى مدخليّة المادّة للخصوصيّة هو أنّ الفاعل يعيّن وينفرز أوّلا مادّة لإظهار صنعها فيحرّكها إلى ما شاء اللّه أن يحرّكها لقبول صور من الصور التي يريد إظهارها ، فاقتضت تلك المادّة القابلة للصنع صورة تليق بها وتقضي وطرها حسب ما اقتضى سعيها وحركتها . ولمّا كانت هذه الصورة فردا من طبيعة كليّة - وقد عرفت أنّ الفائض من الفاعل إنّما هو الكليّات - فأفاضت النفس المدبّرة تلك الطبيعة على المادة . ولمّا اقتضت المادة حسب درجتها الضيّقة فردا واقتضى الفاعل بجوده الواسع أمرا كليّا فتصالحا عند نزول الأمر الإلهي المصلح بين كلّ متنازعين بما هو العدل والصواب لهما ، فحينئذ تعيّن المادّة تلك الطبيعة المفاضة بخصوصيّة يقتضيها استعدادها . فإذا نظرت بالعين اليمنى وجدتها من الجنبة العالية على كليّتها ؛ وإذا نظرت بالعين اليسرى وجدتها من الجنبة السافلة في مضيق التشخص شخصا جزئيا . وهذا سرّ ما اشتهر من الحكماء أنّ البارئ تعالى يعلم الجزئيات على الوجه الكلّي ؛ فتبصّر .
وبالجملة ، إذا أمعنت النظر وجدت المادة سببا لتشخّصها لكن ليست هي بسبب فاعلي لها ، بل إنّما هي سبب قابلي بالمعنى الذي قلنا . وبهذا يصحّ أن ينسب التشخص في المادّيات إليها وإلّا فالفاعل لتعيين « 1 » مادّة الصنع في النظر الأدقّ إنّما هو سبب لتعيين « 2 » تلك المادة بالذات وللخصوصيّة بالعرض .
فائدة [ 5 ] [ في التشخص ]
ففاعل الطبيعة كما أنّه فاعل تلك الطبيعة بالذات كذلك هو معيّن المادّة لقبول هذه الطبيعة دون غيرها بالذات . وكما أنّ تعيين المادّة القابلة منه بالذات كذلك تعيين هذا الفرد أي إفادة تلك الخصوصية منه بالعرض . فالآن ثبت أنّ المشخّص في الأمور الماديّة هو
هامش
( 1 ) . ن : لتعيّن .
( 2 ) . ن : لتعيّن .