تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الاربعين — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
آخر ليس هو في مرتبته . والعجب منه مع تفرّده في التحقيق في أمثال هذه المقامات كيف ترضى نفسه بتقليد الظاهريّين من الفلاسفة مع أنّ أصوله المقرّرة عنده من تحقيق مراتب التوحيد يأبى عن التفّوه « 1 » بمثل ذلك ؛ بل المراد من قول أهل المعرفة هو أنّه لمّا كان تذوّت « 2 » الأشياء وجودها من فاعلها وجاعلها ، بل جميع شؤونها منه وبه ، فهي بالنّظر إليه ليسيّات محضة « 3 » مستهلكة لديه إذ المناظرة والمقايسة يستدعي تذوّت أحد الشيئين أو وجوده دون الآخر وأقّل ذلك يكون كلّ منهما في عداد الآخر ومن الممتنع أن يكون شيء يجعل للواحد الأوّل تعالى شأنه ثانيا فكلّ ما فرضته ثانيا فهو هو « 4 » . وهذا هو التّوحيد الخالص جعلنا اللّه من أهله . وكذا المراد من كونه مع العالم هو استيلاؤه بالسلطنة والظهور على الظاهر والباطن بحيث لا يعزب عنه مثقال ذرّة بل استهلك الكلّ عنده فهو الظاهر بكمالاته ؛ فهو معنا « 5 » بالسلطنة والغلبة بحيث لم يكن من الغير أثر ونحن لا معه إذ لسنا على شيء عنده ؛ فمرجع الكلامين وإن كان بالحقيقة إلى معنى واحد لكن طريقة الأدب أن يعبّر عن الأوّل بالثبوت وعن الثاني بالسلب فقوله عزّ شأنه :
وَهُوَ مَعَكُمْ
لسلطانه إلى « 6 » المقام الأول وقوله سبحانه :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
لظهور برهانه عن المقام الثاني . وإليهما أشار مولانا أمير الموحّدين عليه السّلام « 7 » : « مع كل شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة » وفي الأخبار المعصوميّة تلويحات إلى ذلك وتصريحات . واللّه يختّص بفضله من يشاء .

تحقيق إيمانيّ

وإذا تحققت هذه المعارف الملقاة إليك من الرفيق الأعلى والشفيق الخالص الولاء
هامش
( 1 ) . التفوّه : التضوء م ج . ( 2 ) . تذوت : تذوب ج . ( 3 ) . محضة : مختصة م . ( 4 ) . هو هو : + لا ج . والكلام من السهروردي في مجموعة مصنفات شيخ إشراق ، ج 1 ، التلويحات ، ص 35 : « صرف الوجود الذي لا أتمّ منه كلّ ما فرضته فإذا نظرت فهو هو » . ( 5 ) . معنا : معناه ج . ( 6 ) . لسلطانه إلى : نفي م . ( 7 ) . نهج البلاغة طبع صبحي صالح ، الخطبة الأولى ، ص 40 .