فاستمع لما يتلى عليك مرّة أخرى :
اعلم أنّ أصول العوالم ثلاثة : عالم الخلق وعالم الأمر وعالم من له الخلق والأمر .
فالأوّل عالم الزمانيات والمكانيّات ويقال له « عالم الملك » و « الشّهادة » و « الخلق » ، والثّاني عالم الدهريّات والأرواح المدبّرة والنفوس المسخرة « 1 » ويقال له « عالم الملكوت » و « الأمر » و « الغيب » ، والثّالث العالم العقلي و « السرمد » و « العالم الأعلى » و « عالم الجبروت » و « غيب الغيب » و « العالم الإلهي » إلى غير ذلك وتلك « 2 » أسماء لمراتب واقعيّة ولا بأس بها إذا ظهر المراد منها . وإن شئت فقل : العالم الأدنى والعالم الأوسط والعالم الأعلى .
وقد « 3 » تبيّن في مدارك أهل المعرفة باللّه وبآياته أنّ تلك العوالم متحاذية المراتب متعادلة الحقائق لا يوجد في الأسفل شيء إلّا وروحه وملكوته يوجد في العالم الأوسط وحقيقته الأصليّة في العالم الأعلى وهكذا جرت سنّة اللّه الّتي لا تبديل لها وقد حقّقنا ذلك في رسائلنا ببيانات برهانيّة وتنبيهات إيمانية .
ومن جملة الحقائق الوجوديّة ذلك الزّمان الذي هو عدد المتقدّم « 4 » والمتأخر من الحركة ، فله حقيقة واقعيّة دهريّة في عالم الملكوت الذي هو العالم المتوسّط ؛ وتلك الحقيقة الملكوتيّة من باطن هذا الزمان ومناط سني الربوبيّة التي يوم منها
كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
« 5 » وهذه هي روح ذلك الزمان ولها حقيقة أصلية في العالم الإلهيّ هي سرّ ذلك الروح وأصله ومنشاؤه وحقيقته الثابتة إذ
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
« 6 » وعليها مدار سني الإلهيّة يومها
مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ
« 7 » .
ثمّ إنّه قد اتّضح في البيان السابق أنّ العالم برمّة ما فيه من الجواهر القدسيّة والموادّ السّفلية وبالجملة الحقائق العلويّة والكيانيّة مسبوق الوجود بالعدم الصريح غير متّصل الوجود ولا متجدّد الرتبة ولا متقابل الهويّة بالنظر إلى كبرياء مبدعة القيّوم ؛
هامش
( 1 ) . المسخرة : - م .
( 2 ) . وتلك : فتلك ج .
( 3 ) . وقد : قد ج .
( 4 ) . المتقدم : المتعد ج .
( 5 ) . الحج : 47 .
( 6 ) . النحل : 96 .
( 7 ) . المعارج : 4 .