الأمر والنّهى إمّا بموجب العقل أو بطريق السمع ؛ فمن قال بواجب حكم أحدهما فابتدأ أوّلا بتعلّم فقه الدين ليخرج به من ظلمة الجهالة ، ثمّ ابتدأ بتهذيب أخلاقه التي يتخلق بها من الصّبا فأصلح منها ما كان فاسدا ، ثمّ نظر في عاداته التي اعتادها في أيّام الشباب يغير منها ما كان مذموما من اتّباع الشهوات المذمومة وطلب اللذات المكروهة . وكذلك نظر في اعتقاداته المذمومة وإزالة الفاسدة منها التي اعتقدها من غير علم ولا بصيرة ، وأبدلها بما هو خير منها ثم عمل بما رسم له في الشريعة من العقليّة والسمعيّة من الأعمال الصالحة . وسار في أمور معيشته سيرة عادلة . ثمّ تفكّر في أمور الدنيا واعتبر أحوالها وما يتصرّف بها الأمور حالا بعد حال حتى يتنبه نفسه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة فتبصر عيوب الدنيا ، ويعرف عورها فتزهد فيها ، ثم يبحث عن أمر الآخرة ويتفكر في المعاد حتى يعرفها حقّ معرفتها ، ثمّ يرغب فيها ويطلبها حقّ الطلب ويدوم ذلك إلى الممات ، فإذا فعل ذلك فإنّ نفسه إذا فارقت جسدها عند الموت انتقلت بذاتها واستغنت عن التّعلق بالأجسام بعد ذلك ، وتخلّصت من وسخ الأبدان ، ونجت من بحر الهيولى ، وأعتقت من أسر الطبيعة ، وفارقت بالخروج من عالم الكون والفساد ، وارتقت إلى عالم الأفلاك ، وسعت في سعة فضاء السّماوات مسرورة ملتذّة مطلقة ، حيث شائت ذهبت ، فعند ذلك يكون ملكا من الملائكة » - انتهى .
ثم إنّ صاحب حكمة الإشراق « 1 » مع توغّله في فهم الأسرار استحسن قول بعضهم من كون جرم سماوي موضوعا لتخيّلات طوائف من نفوس السعداء والأشقياء لأنّهم لم يتصور لهم العالم العقليّ ولم ينقطع علاقتهم بالكلية عن الأجرام وهم بعد بالقّوة التي احتاجت معها إلى علاقة البدن . قال إنّه « كلام حسن » إلّا أنّه خالفهم في تعلّق نفوس الأشقياء بتلك الأجرام الشريفة ثمّ قال : « والقوّة تحوجهم إلى التخيل الجرمي فليس يمنع أن يكون تحت فلك القمر وفوق كرة النار جرم كريّ غير منخرق هو نوع نفسه ويكون برزخا بين العالم الأثيري والعنصريّ موضوعا لتخّيلات الأشقياء فيتخيّلون
هامش
( 1 ) . مجموعة مصنفات شيخ الإشراق ، ج 1 ، التلويحات ، ص 89 - 90 .