عدم إدراك العقول والأفكار له تعالى واستحالة وصولها إليه جلّ وعلا إلّا القدر الذي ذكره عليه السّلام من الإيقان بالغيب والإقرار بأنّه الحقّ الثّابت بذاته .
وذلك لأنّ ضوابط معرفة الحقائق تنحصر في طريقي التحليل والتّركيب وقواعد الإذعان بالمطالب إنّما هي من سلوك سبيلي الإنّ واللّمّ على ما هو المقرّر في صناعة الميزان . وهذه الطرق كلّها يجمعها كون المطلوب تحت مفهوم من الأمور العامة التي تعرض الوجود بما هو شيء على ما حققنا في بعض مسفوراتنا العقليّة ؛ واللّه سبحانه منزّه عن كونه تحت حكم من هذه الأحكام لأنّه سبحانه موجود لا كالموجودات وشيء لا كالأشياء ؛ على أنّ التحليل والتركيب إنّما يتأتّى فيما له المقوّمات أو العوارض .
وطريق « اللّمّ » في حقّه تعالى مستحيل ولا تسمع بما يقول بعضهم - وتبجّح به - أنّ النظر في الوجود وإثبات المبدأ بذلك تنبيه باللّم ؛ وذلك لأنّا قد برهنّا على عدم عروض الوجود له تعالى لا ذهنا ولا خارجا ، على أنّ محقّقيهم أيضا صرّحوا بذلك حيث قالوا : وجوده تعالى مبائن لسائر الوجودات ، وليس هو تعالى محلّا للعوارض ؛ والتّخصيص في القواعد العقليّة ليس طريق البارعين .
قال بعضهم - وهو من أجلّة المتألّهين في الحكمة المتعالية - « إنّ الأسامي كلّها إذا أطلقت على اللّه وعلى غيره لم يطلق عليهما بمعنى واحد في درجة واحدة حتى إنّ اسم « الوجود » الّذي هو أعمّ الأشياء اشتراكا لا يشمل الواجب والممكن على نهج واحد بل كلّ ما سوى اللّه وجوداتها أظلال وأشباح محاكية لوجود الحقّ ؛ ومع ذلك ليس إطلاق الوجود على ما سوى اللّه مجازا لغويّا بل مجازا عرفانيّا عند أهل اللّه . وهكذا في سائر الأسامي كالعلم والإرادة والقدرة وغيرها ؛ فكلّ ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق . وواضع اللغات إنّما وضع هذه الأسامي أوّلا للخلق لأنّها أسبق للعقول والأفهام من الخالق ؛ فلهذا وقع السّفر منها إليه » - انتهى كلامه .
بقي هنا في سلوك سبيل المعرفة طريق « الإنّ » وهو أيضا قياس الغائب على الشاهد على أنّه لابدّ للممكن الذي هو في ذاته ليس محض من مخرج إيّاه إلى الأيس .
وهذا مبلغهم من العلم وظاهر أن لا قدر لهذه المعرفة و « ليس فوق عبّادان قرية »
و
شرح الاربعين — صفحة 407
مساهمون: القاضي سعيد القمي
ص٤٠٧