فوق السماوات العلى ، وتوجّهها « 1 » إلى بارئها وقيامها عند من بيده ملكوتها . ولمّا كانت هذه الحركة إلى العرش والعرش محيط بجميع السماوات أطلق عليه « الرفع من سماء « 2 » إلى سماء » مجازا .
وأمّا « سجودها » فهو إشارة إلى فنائها عن نفسها وعن كلّ ما يظنّ أنّه منها من الإنارة والإشراق ، وينسب إليها من الآثار والبركات ، لأنّه حين الرجوع إلى ذاتها الملكوتيّة يتيقّن أنّ كلّ ذلك من بارئها ، لأنّه موجدها والمفيض عليها الكمالات والمعطي لها الآثار التي ظهرت في السفليّات والباعث على تلك الحركات . والملائكة الساجدة هي قواها الفواعل معها المعينة « 3 » على تأثيراتها وتدبيراتها في عالم الكون . ولمّا استشعرت بأنّ هذه ليست لها من نفسها ، وأنّ إرادتها مستهلكة في إرادة بارئها ، وأن لا حركة لها إلّا بمحرّكها ، وأنّها لا علم لها من أن تطلع من مطالعها سأل بلسان تضرّعها وتسخّرها « 4 » وخدمتها « 5 » كيف يأمر ربّها بالحركة ومن أيّ « 6 » موضع تطلع بحسب ما يرى ربّها من المصلحة فقالت مخاطبة لربّها : « من أين تأمرني أن أطلع ؟ » أي إنّ أمري وأمر كلّ شيء وتدبيري وتدبير كلّ شيء بيدك ، ليس لي ولا لغيري إرادة غير إرادتك ، وإنّي لا أفعل إلّا ما أمرتني ولا أتحرّك إلّا حيث تريد منّي ؛ وذلك لأنّهم عباد مكرمون ،
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
« 7 » .
وأمّا « حلّة النّور » فهو ما ألبسها « 8 » بارئها حلّة « 9 » البقاء بعد ذلك الفناء ، وأعطاها خلعة الشهود والضياء ، وأفاض عليها الوجود النوريّ الذي ينير به الأشياء ، ويضيىء « 10 » به الأرض والسّماء ، ويفيض به الآثار على السّفليّات ، ويدبّر به أمر الكائنات وذلك على قدر محدود بحسب ما يراه ربّها من المصلحة في جريانها في اختلاف الساعات من الفصول .
هامش
( 1 ) . توجّهها : وجهها ج .
( 2 ) . سماء : السماء ن .
( 3 ) . الفواعل . . . المعينة : الفاعلي . . . المعية ن .
( 4 ) . تسخّرها : تسخيرها ج .
( 5 ) . خدمتها : مذ متهام .
( 6 ) . أيّ : أين ج .
( 7 ) . التحريم : 6 .
( 8 ) . ألبسها : ألبست ع ؛ لبسها ج .
( 9 ) . خلعة : حلّة ج .
( 10 ) . يضيىء : يضاء ج .