بين الأجسام ، فكما خلق اللّه الأجسام متفاوتة تفاوتا كبيرا فيما بينها ، فمنها القوي والأقوى والضعيف والأضعف سنة اللّه في الأشياء كلها .
كذلك الأرواح متفاوتة التفاوت ، أو أشد ولها مقويات ومتضاعفات كالأجسام سواء بسواء ، وفي بعضها قصور جبلي لا يمكن زواله ، فتكون بمنزلة الجسم الذي خلق ناقصا أو فاقدا لبعض الحواس ، ومنها ما يكون ضعفه عرضيا يمكن علاجه ، فيكون كالجسم الذي يطرأ عليه آفة تستطيع الأطباء أن تعالجها .
وللأرواح نواميس معروفة عند أهلها ، وقد أسسها الأنبياء والمرسلون وتبعهم العلماء العاملون ، فلهم في ذلك من الأصول والقوانين التي تحفظ للأرواح صحتها ، وتعيدها إليها إذا فقدتها ما لأطباء الجسوم من قانون الحمية ، ومعالجة الأمراض .
فإذا قلنا : إن للروح القوية بطبعها أو التي تقوّت باستعمال الأدوية التي تقوي عليها الأرواح الضعيفة ، كان ذلك بمنزلة الجسم الضعيف ، وللأرواح أفعال لها نواميس أخرى ليست كنواميس المادة ، ويقرّب هذا لك أن الحاسد يؤثر في المحسود من غير ملامسة ولا مجاورة ؛ لأن هذا التأثير نفساني لا جسماني ، وللحاسد نفس قوية إلا أنها شريرة لا خيرة ، والفعل في كل ذلك للّه تعالى ، وإنما الأجسام والأرواح مظاهر لما أودعه اللّه فيها من الخصائص والقوى المختلفة على حسب ما اقتضته حكمته . فليست إلا بمنزلة الآلات التي اقتضى رأي صاحبها أن يجعل بعضها صغيرا وبعضها كبيرا ، وبعضها قويا وبعضها ضعيفا ، فإذا أظهرت تلك الآلات مقتضايتها التي أرادها منها ، فلا يقال أنها شاركت مخترعاها ومالكها ، فلو فرضنا أن هذا المخترع أمكنه أن يمتعها بإرادة واختيار لكانت هي الإنسان بعينه ، ولم يكن لها معه أدنى شركة ، وإنما هي مظاهر تامة أو ناقصة لقدرته وعلمه ، وبديع صنعه تظهر من خصائصها ، أو نقول من دلائل قدرته على قدر ما أراد منها ، وهي بعد في تصرفه إن شاء أبقاها ، وإن شاء أفناها ، وإن شاء أحاطها بالموانع ، وإن شاء أمدها بالقوى المختلفة . . . إلخ ، فكيف تعقل الشركة مع ذلك كله ؟ وأي فرق بعد هذا التقرير بين الأجسام والأرواح ؟ ولماذا يكون هذا شركا دون ذاك ، أليست هذه سنة اللّه في جميع الأشياء ؟ لم يخلقها تمثل إبداعه الذي لا يحيط به محيط ، وهي تحت قدرته يعطيها ما شاء ، ويسلبها ذلك إن شاء .
جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال — صفحة 473
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٤٧٣