تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
لعمر الحق إن الحقائق التي جاءت بها الشرائع واضحة لا مرية فيها ، ولكن ضل الناس في فهمها إلا من أعطاهم اللّه بصرا نفاذا ، وقلبا مستنيرا ، وقليل ما هم . ثم نقول من وجه آخر : إن الفعل للّه تعالى ، وليس دعاء الناس عند اللّه بمنزلة واحدة فمنه المقبول ، ومنه المردود على قدر ما لهم من ميراث النبوة ، وعلى حسب حالهم فيما بينهم وبين اللّه تعالى ، فلا غرو أن يجيب بعضا ويرد بعضا ، والإنسان على الحقيقة إنما هو الروح ، فالناس بعد الموت لم يفقدوا إلا أجسامهم التي إذا نظر إليها من حيث هي أجسام كانت جمادا صرفا ، فلسنا نيئس ممن سبقنا بالموت ، قال تعالى :
كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ
[ الممتحنة : 13 ] . هذا ، وليعلم أن أفاعيل الأرواح مما أثبته الملل كلها ، ولأهل الهند في ذلك أشياء كثيرة من الرياضات والأعاجيب ، وقد ذكرتها الفلسفة القديمة بتوسع كبير ، وللمذهب الروحاني أنصار كثيرون بأوروبا وأمريكا بالرغم عن المادية التي لم تشع في عصر من العصور شيوعها الآن . أمّا الروحانيون الكاملون من أولياء المسلمين وأكابرهم ، فلا يضارعهم غيرهم من الأمم الأخرى ، لا قوة ولا كثرة ، وعندنا من المشاهدات ورواية الثقات ما لا يحصيه إلا اللّه تعالى ، وفي كتب الصحيح على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعهد الصحابة ، ومن بعدهم شيء كثير من ذلك ، فالمسألة لا ينكرها الدين ولا العلم ولا الفلسفة ، وليس فيها من الشركة شيء ، ولكن جهل الجاهلون ، فكثر المتفيقهون ودب فينا داء الأمم قبلنا ، فتقاتلنا على الفتيل والنقير ، ولو فهمنا لوجهنا جهودنا إلى ما هو أهم من هذا في ديننا ودنيانا .
وفكرك في مدى أمر كبير * كفكرك في مدى أمر حقير وربّ صغيرة ضيّعت فيها * زمانا كان ينفع في الكبير
وإن للعامة ما يليق بهم ، وللخاصة ما هو جدير بهم . وقد قال بعض الحكماء : لا يصلح الرجل إلا إذا ترك ما لا يعنيه واشتغل بما يعنيه ، فإذا فعل ذلك أوشك أن يفتح له قلبه . فرحم اللّه امرءا عرف قدره ، وأقبل على شأنه ، وترك كل موضوع للمبرزين فيه حتى لا يكون لفرد من أفراد الأمة صورة شوهاء بدخوله فيما لا يحسنه ، وكلامه فيما لا يعنيه ، فإذا فعل ذلك ، ولم يتكلم في الأشياء إلا ذووها كان للأمة صورة كلها جمال وكمال ، هذا ما حضرني في الوقت والمنصف يكفيه القليل ، والمعاند لا ينفعه الكثير انتهى .