هامش
- قال البيهقي : وقوله في الحديث السابق : « إن اللّه اشتاق إلى لقائك » .
معناه : قد أراد لقائك بأن يردك من دنياك إلى معادك ، زيادة في قربك وكرامتك .
قال : ولما توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان أبو بكر غائبا بالسنح ، يعني العالية عند زوجته بنت خارجة ، وكان صلى اللّه عليه وسلم قد أذن له في الذهاب إليها ، فسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه سيفه وتوعد من يقول مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان يقول : إنما أرسل إليه كما أرسل موسى عليه السلام ، فلبث عن قومه أربعين ليلة ، واللّه إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم ، فأقبل أبو بكر ، رضي اللّه عنه من السنح حين بلغه الخبر إلى بيت عائشة رضي اللّه عنها ، فدخل فكشف عن وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجثي يقبّله ويبكي ، ويقول : توفي والذي نفسي بيده ، صلوات اللّه عليك يا رسول اللّه ، ما أطيبك حيّا وميتا .
وفي حديث ابن عباس عند البخاري : « أن أبا بكر رضي الله عنه خرج وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يكلم الناس ، فقال : اجلس يا عمر ، فأبى عمر أن يجلس ، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أما بعد ، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حيّ لا يموت » ، قال اللّه عز وجلّ :وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ[ آل عمران : 144 ] .
قال : واللّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللّه أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها الناس منه كلهم ، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها .
وفي حديث ابن عمر : « أن أبا بكر رضي الله عنه مرّ بعمر وهو يقول : ما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا يموت حتى يقتل اللّه المنافقين ، قال : وكانوا أظهروا الاستبشار ورفعوا رؤوسهم ، فقال : يا أيها الرجل إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد مات ، ألم تسمع اللّه تعالى يقول :إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ[ الزمر : 30 ] ، وقوله :وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ[ الأنبياء : 34 ] ، ثم أتى المنبر .
قال القرطبي : وفي هذا أدل دليل على شجاعة الصديق ؛ فإن الشجاعة حدها ثبوت القلب عند حلول المصائب ، ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فظهرت عنده شجاعته وعلمه حين قال الناس : لم يمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واضطرب الأمر ، فكشف الصدّيق بهذه الآية ما نزل بهم ، ولما صعد على المنبر تشهد وصلّى على نبيه ثم قال : أما بعد إلى أن قال : ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى يدبرنا : أي يكون آخرنا موتا ، أو كما قال : فاختار اللّه عز وجلّ لرسوله الذي عنده على الذي عندكم ، وهذا الكتاب الذي هدى اللّه به رسوله ، فخذوا به تهتدوا لما هدي له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
وقال الإمام ابن المنبر : لما مات صلى اللّه عليه وسلم طاشت العقول ، فمنهم من خبل ، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام ، ومنهم من أخرس فلم يطق الكلام ، وكان عمر ممن خبل ، وعثمان من أخرس ، وعلي ممن أقعد ، -