هامش
- وحكى جماعة يوثق بهم ممن صحبوه وباطنوه ، أنه لم يكن نظمها على حدّ نظم الشعراء أشعارهم ، بل كان يحصل له جذبات يغيب فيها عن حواسه الأيّام نحو الأسبوع والعشرة أيام ، فإذا أفاق أملى ما فتح اللّه تعالى عليه به ، منها نحو الثلاثين والأربعين والخمسين بيتا ، ثم يدع حتى يعاوده ذلك الحال ، ومن تأمّلها حقّ التّأمّل علم أنّ لها نبأ عظيما ، صانها اللّه عن غير أهلها ، ثم كتب القصيدة بعد هذه الترجمة .
وحكي أنه : لما فوّض أمر قاضي القضاة التقي الدين في أيام الملك المنصور ، وقع في حق شيخ الشيوخ شمس الدين الأيكي في مجلس حفل ، وقال له : أنت تأمر الصّوفية بالاشتغال بنظم السلوك قصيدة ابن الفارض ، وهو يميل فيها إلى الحلول ، وأهانه بالكلام فدعا عليه وقال : مثّل اللّه بك كما مثلت فيّ ، فعزل عقيب ذلك من الوزارة في آخر الدولة المنصورية ، ثم عزل عن القضاء في الدولة الأشرفية ، وصودر ومثل به ، وحبس مدة ، ونسب إلى سوء الاعتقاد ، وإلى أنه وقع في كلام يفسق به .
قال سبط الشيخ عمر : فلما منّ اللّه تعالى عليه بالخلاص من هذه النكبة حضرت عنده أنا والشيخ سعد الدّين الحارثي ، وسمعته يحمد اللّه تعالى على حسن العافية والسّلامة ، فعرضت له بذكر واقعته مع الشيخ شمس الدين الأيكي ، ووقوعه في حقّه وحق شيخنا الشيخ عمر ابن الفارض ، وأنه نسبهما إلى الحلول ، وأنهما بريئان منه ، وقلت : وكيف يتصور أن الشيخ يميل إلى الحلول في قصيدته وقد نزه عقيدته عنه بقوله :وكيف وباسم الحقّ ظلّ تخلقي * تكون أراجيف الضلال مخيفتي
وها دحية وافي الأمين نبيّنا * بصورته في بدء وحي النبوة
أجبريل قل لي كان دحية إذ بدا * لمهدي الهدى في صورة بشرية
وفي علمه عن حاضريه مزية * بماهية المرئي من غير مرية
يرى ملكا يوحي إليه وغيره * يرى رجلا يدعي إليه بصحبة
ولي من أتم الرؤيتين إشارة * تنزه عن رأي الحلول عقيدتي
وفي الذّكر ذكر اللبس ليس بمنكر * ولم أعد عن حكمي كتاب وسنّةفقال : أنا أحب الناس في نظم الشيخ عمر بن الفارض ، وحفظت ديوانه وأنا شابّ وانتفعت به ، وهذه الأبيات ما كان سمعتها قط إلا في هذه الساعة ، وقد زال من ذهني الآن ما كنت اعتقده من ميل -