تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
هامش
- والدي ؛ لأجل بره ومراعاة قلبه ، وكان والدي يومئذ خليفة الحكم العزيز بالقاهرة ومصر ، وكان من أكابر أهل العلم والعمل ، فيجد سرورا برجوعي إليه ، ويلزمني بالجلوس معه في مجالس الحكم ومدارس العلم ، ثم أشتاق إلى التجريد وأستأذنه وأعود إلى السياحة ، وما برحت أفعل ذلك مرة بعد مرة إلى أن سئل والدي أن يكون قاضي القضاة فامتنع ونزل عن الحكم ، واعتزل الناس وانقطع إلى اللّه بالجامع الأزهر إلى أن توفي ، فعاودت إلى التجريد والسّياحة وسلوك الطريقة ، فلم يفتح عليّ بشيء ، فحضرت يوما من السّياحة إلى المدينة ، ودخلت المدرسة السوقية فوجدت رجلا شيخا بقالا على باب المدرسة يتوضأ وضوء غير مرتّب ، غسل يديه ثم غسل رجليه ثم مسح برأسه ثم غسل وجهه ، فقلت : يا شيخ إنك في هذا السّن في دار الإسلام ، وأنت تتوضّأ وضوء غير مرتّب ، فنظر إليّ وقال : يا عمر أنت ما يفتح عليك في مصر ، وإنما يفتح عليك بالحجاز في مكة ، فاقصدها فقد آن لك وقت الفتح ، فعلمت أن الرّجل من أولياء اللّه تعالى ، وأنّه يتستر بالمعيشة وإظهار الجهل بترتيب الوضوء ، فجلست بين يديه وقلت له : يا سيدي ، وأين أنا ومكة ولا أجد ركبا ولا رفقة في غير أشهر الحج ؟ ! فنظر إليّ وقال : هذه مكة ، فتركته وطلبتها فلم تبرح أمامي حتى دخلتها في ذلك الوقت ، وجاءني الفتح حين دخلتها ، وترادف ولم ينقطع ، وشرعت في السّياحة في أوديتها وجبالها ، وكنت أستأنس فيها بالوحش ليلا ونهارا ، وأقمت بواد بينه وبين مكة عشرة أيّام للراكب المجد ، وكنت آتي منه كل يوم وليلة وأصلّي في الحرم الصلوات الخمس ، ومعي سبع عظيم الخلقة يصحبني في ذهابي وإيابي ، وينخ لي كما ينخ الجمل ، ويقول : يا سيدي اركب ، فما ركبته قط . وتحدث بعض جماعة من أكابر المشايخ المجاورين بالحرم بمكة بتجهيز مركوب يكون عندي في البرّية ، فظهر لهم السبع عند باب الحرم ، فرأوه وسمعوا قوله : يا سيدي اركب ، فاستغفروا اللّه ، وكشفوا رؤوسهم واعتذروا إليّ . ثم بعد خمسة عشر سنة سمعت الشيخ البقال يناديني : يا عمر ، تعال إلى القاهرة ، فاحضر وفاتي ، فأتيته مسرعا فوجدته قد احتضر ، فسلّمت عليه وسلّم عليّ ، وناولني دنانير ذهب وقال : جهّزني بهذه ، وافعل كذا وكذا ، واستأجر من يحمل جنازتي إلى القرافة ، واعط كل واحد دينارا ، واتركني على الأرض في هذه البقعة ، وأشار بيده إليها فلم تبرح بين عيني وهي بالقرافة عند مجرى السّيل ، قال : وانتظر قدوم شخص يهبط إليك من الجبل ، فصلّ أنت وهو عليّ ، وانتظر ما يفعل اللّه في أمري ، وتوفي الشّيخ البقّال فجهزته كما أشار ، وطرحته في البقعة كما أمرني ، فهبط إليّ رجل من الجبل كما يهبط الطّير المسرع لم أره يمشي على رجليه ، فعرفته بشخص كنت أراه يصفع قفاه في الأسواق ، فقال : يا عمر تقدّم فصلّ بنا على الشيخ ، فتقدمت وصليت إماما ، ورأيت طيورا خضرا وبيضا صفوفا بين السماء والأرض يصلّون معنا ، ورأيت طائرا منهم عظيم الخلقة أخضر قد هبط -
جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال — صفحة 259 | أحمد فريد المزيدي / مجموعة مؤلفين