نفعنا اللّه ببركاته بعد وفاته - ما حكاه تلميذ سيدي عمر بن الفارض قال :
حضرت يوما من السياحة إلى مدينة مصر بالقاهرة ، فدخلت المدرسة السيوفية فوجدت شيخا بقالا على باب المدرسة يتوضأ وضوءا غير مرتب فقلت له : يا شيخ ، أنت في هذا السن في دار الإسلام على باب المدرسة بين ظهور العلماء وأنت تتوضأ وضوءا خارجا عن الترتيب الشرعي ؟ ! فنظر إلىّ وقال : يا عمر ، أنت ما يفتح عليك في مصر ، وإنما يفتح عليك بالحجاز بمكة المشرفة ، فاقصدها ، فقد آن لك وقت الفتح ، فعلمت أن الرجل من أولياء اللّه تعالى ، وأنه يستتر بالمعيشة ، وإظهار الجهل بعدم ترتيب الوضوء ، فجلست بين يديه متأدبا متواضعا .
وقلت له : يا سيدي ، أين أنا ؟ وأين مكة ؟ ، ولا أجد ركبا ولا رفقة في غير أشهر الحج ، فنظر إليّ وأشار ، وقال : هذه مكة أمامك ، فنظرت معه ، فرأيت مكة شرّفها اللّه تعالى فتركته ، وطلبتها فلم تبرح أمامي إلى أن دخلتها في ذلك الوقت ، وجاءني الفتح حين دخلتها وترادف ولم ينقطع ، فأقمت خمس عشرة سنة ، فبعد تمام هذه المدة سمعت الشيخ البقال يناديني :
يا عمر ، تعال إلى القاهرة واحضر وفاتي ، فأتيته مسرعا ، فوجدته قد احتضر فسلّمت عليه وسلم علي ، وأعطاني دنانير ذهب ، وقال لي : جهّزني بهذه الدنانير ، وافعل كذا وكذا ، واعط حملة نعشي - والنعش سرير الميت ولا يسمّى
هامش
- وكان الشيخ عز الدين بن جماعة ينكر عليه أيضا ، فرأى في النوم جماعة قد وقفوا بين يدي الشيخ عمر رضي الله عنه ، وقيل له : هؤلاء المنكرون عليك ، فقطع ألسنتهم ، فانتبه مذعورا ورجع عن إنكاره .
ولما وصل شيخ الإسلام محمد بن إلياس قاضي القضاة إلى مصر صار ينال من الشيخ عمر رضي الله عنه ، ويتوعّد زواره ومن ينشد كلامه يوم الجمعة عند قبره على العادة ، وتطلّب كتاب شرح المنهاج للسبكي ؛ لكونه حظ فيه على الشّيخ عمر رضي الله عنه ونقصه ، فابتلي بمرض فما شفي منه حتى رجع . والحكايات في ذلك كثيرة .