هامش
- وفي صحيح مسلم قال عليه السلام : « لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة » ، وفي لفظ آخر : « ذهبت النبوة وبقيت المبشرات » ، فإذا ثبتت فضيلة الرؤيا فهل يثبت بذلك فضل السبب الموصل إليها وهو النوم ؟ فقد اختلف الناس في ذلك فمن ذاهب إلى أنه فضيلة ، وقد تخاصم رجلان إلى حكيم فقال أحدهما : النوم خير من السهر ؛ لأنه عصمة عن المعاصي ، وقال الآخر : هو غفلة عن ذكر اللّه تعالى ومعرفته ، فقال الحكيم لمن فضّل النوم : الموت خير لك من الحياة ، وقال للآخر : الحياة خير لك من الموت .
وقد كان شاه الكرماني تعوّد السهر فغلبه النوم مرة فرأى الحق في النوم ، فكان بعد ذلك يتكلف النوم ، فقيل له في ذلك فأنشأ يقول :رأيت سرور قلبي في منامي * فأحببت المنام والنّعاساففي هذه الرؤية درجة ومزية كريمة ، وليس ذلك موجودا في اليقظة ، وأفضل درجات أهل الجنة هو النظر إلى مولاهم ، والذي ظهر لي في ذلك أن الإنسان متى غلب عليه في حالة النوم رؤية الحق سبحانه والأنبياء - عليهم السّلام - والملائكة والعرش والكرسي وما ناسب ذلك ، فينبغي أن يكون النوم في حقه فضيلة وكرامة ، وإلا فاليقظة فضيلة في حقه .
وقد رأى أبو بكر الآجري الحق تعالى في المنام ، فقال له : أسأل حاجتك ؟ فقال : اللهم اغفر لعصاة أمة سيدنا محمد ، فقال : أنا أولى بهذا منك ، سل حاجتك .
وقال أبو يزيد : رأيت ربي في المنام فقلت : كيف الطرق إليك ؟ فقال : اترك نفسك وتعال .
وقيل : رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال : يا رب كم لي أدعوك فلا تستجيب لي ؟ فقال : يا أحمد كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني .
وقال يحيى بن سعيد القطان : رأيت ربي في المنام فقلت : يا رب كم لي أدعوك فلا تستجيب لي ؟ فقال :
يا يحيى إني أحب أن أسمع صوتك .
فأما حقيقة الرؤيا فهو خواطر ترد على القلب من خيالات تتصور في الوهم ، فتارة تكون من هواجس النفس ، وتارة تكون من لمة الشيطان ، وتارة تكون من لمة الملك ، وتارة تكون تعريفا وإلهاما من اللّه تعالى ، كما ورد في الحديث : « الرؤيا من اللّه والحلم من الشيطان » .
قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه اللّه : أرباب القلوب يكاشفون بأسرار الملكوت تارة على سبيل الإلهام ، فيخطر لهم على سبيل الورود علم من حيث لا يعلمون ، وتارة على سبيل الرؤيا الصادقة ؛ لأنها من أجزاء النبوة ، وتارة في اليقظة على سبيل كشف المعاني بمشاهدة الأمثلة ، كما يكون في -