بالشكر إليه والدوام على ممر الساعات عن يديه .
فإن قلت : أين من هذا وصفه ! لقد دللتني على أعز من عنقاء مغرب ، فاعلم أنه لا يعودك وجدان الدالين ، وإنما قد يعودك وجود الصدق في طلبهم ، جد صدقا تجد مرشدا وتجد لك آيتين من كتاب اللّه تعالى ، قال اللّه سبحانه وتعالى :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
[ النمل : 62 ] .
وقال تعالى :
فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
[ محمد : 21 ] فلو اضطررت إلى من يوصلك إلى اللّه تعالى اضطرار الظمآن إلى الماء والخائف للأمن لوجدت ذلك أقرب إليك من وجود طلبك ، ولو اضطررت إليه - سبحانه وتعالى - اضطرار الأم لولدها إذا فقدته لوجدت الحق منك قريبا ولك مجيبا ، ولوجدت الوصول غير متعذر عليك ، ولتوجه الحق سبحانه وتعالى فبسبب ذلك إليك فهذا الكلام في طريقي الجواز والوقوع جميعا ، وذكر أعيان الكرامات التي اتفقت للسلف - رضي اللّه عنهم - لا يستطاع حصرها ، وقد أشبع القول فيها الأستاذ أبو القاسم القشيري رضي الله عنه في « رسالته » وأفرد له بابا .
واعلم أن الكرامة زيادة تظهر للولي في نفسه وزيادة تظهر فيه لغيره ، فإن ظهرت للولي في نفسه ، فالمراد تعريفه بقدرة اللّه تعالى وفرديته وأحديته وأن قدرته لا تتوقف على الأسباب وأن العوائد والوسائط والأسباب حجب قدرته وسحب شمس أحديته فوافق عندها مخذول ، وناقد منها إليه هو بالعناية موصول .
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : فائدة الكرامة تعريف اليقين من اللّه تعالى بالعلم والقدرة والإرادة والصفات الأزلية بجمع لا يفترق ، وأمر لا يتعدد كأنها صفة واحدة قائمة بذات الواحد يستوي من يعرف اللّه تعالى إليه بنوره كمن تعرّف إلى اللّه بفعله ، ولأجل أنها تثبت لما ظهرت له ربما وجدها أهل البدايات في بداياتهم وفقدها أرباب النهايات في نهاياتهم ؛ إذ ما عليه أهل النهاية من الرسوخ في اليقين والقوة والتمكين لا يحتاجون معه إلى مثبت ، وهكذا كان السلف - رضي اللّه عنهم - لم يحوجهم الحق سبحانه وتعالى إلى وجود الكرامات الحسية لما أعطاهم من المعارف الغيبية والعلوم الإشهادية ، ولا يحتاج جبل إلى مرساة ، فالكرامة واقعة لزلزلة الشك في المنة ، ومعرفة فضل اللّه تعالى فيمن أظهرت عليه ، وشاهدة له بالاستقامة مع اللّه سبحانه وتعالى .