والناس في الكرامات على ثلاثة أقسام :
- قسم يجعلونها غاية الأمر ، فإن وجدوها عظموا من ظهرت عليه ، وإن فقدوها لم يتوجهوا إليه .
- وقسم قالوا : وما هي الكرامات ؟ إنما هي خدع يخدع بها أهل الإرادة ليقفوا على حدودهم ، وحتى لا يلجوا مقاما ليس هو لهم ، حتى قال أبو تراب النخشبي لأبي العباس : ما يقول أصحابك في هذه الأمور التي يكرم اللّه تعالى بها عباده ؟
فقلت : ما رأيت أحدا إلا وهو يؤمن بها فقال : من لم يؤمن بها فقد كفر ، إنما سألتك من طريق الأحوال .
فقلت : ما أعرف لهم قولا ، فقال : بلى ، قد زعم أصحابك أنها خدع من الحق ، وليس الأمر كذلك ، إنما الخدع في حال السكون إليها ، فأما من لم يقترح ذلك ولم يساكنها فتلك مرتبة الربانيين ، وكان هذا من أبي تراب بعد أن عطش أصحابه فضرب بيده الأرض فنبع الماء ، فقال فتى هناك : أريد أن أشربه في قدح ، فضرب بيده إلى الأرض فناوله قدحا من زجاج أبيض فشرب وسقانا .
قال أبو العباس المرسي رضي الله عنه : وما زال القدح معنا إلى مكة - شرفها اللّه تعالى - .
والقول الفصل في ذلك أنه لا ينبغي أن يطلب معنى الكرامة أدبا مع اللّه تعالى ، ومن أظهرت عليه عظم لأنها شاهدة له بالاستقامة مع اللّه تعال .
- القسم الثالث : وهو أن تظهر لك الكرامة في الولي لغيره ، فالمراد بذلك تعريف ذلك العبد الذي شهدها بصحة طريق هذا الولي الذي أظهرت عليه الكرامة ، أما أن يكون جاحدا فيرجع إلى الاعتراف أو كافرا فيعود إلى الإيمان أو شاكا في خصوصية ذلك العبد ، فأظهرت عليه ليعرفك اللّه تعالى بما فيه من ودائع الإحسان وقد انبسط الكلام في هذه المقدمة ، وما كان ذلك لنا باختيار ، ولكن قد تضمنت علوما وأسرارا واطلعت من لم يصيب من اللّه تعالى مشرقات الأنوار ، وهذا وإن ابتدأ بها بما قصدنا وإظهارنا ما أضمرنا ، واللّه تعالى هو العالم بالبيان وهو ولي الفضل والإحسان له الحمد كما يجب لجلاله والشكر على نعمه