الرازي في كتابه المسمى ب « الهداية في أصول الدين » فقال :
اعلم أن كرامات الأولياء حق فنقرّ ونؤمن بها ، وجاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم لأنه يجوز أن يظهرها اللّه سبحانه وتعالى على يد من يشاء من عباده . ثم قال : ومن أنكر كرامات الأولياء فهو خارجي ومعتزلي ، وهما ينكران الآية ، حيث قال اللّه تعالى لأم موسى عليه السلام
فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ
[ القصص : 7 ] وهذه كرامة لها .
وأخرج اللّه تعالى رزق الشتاء في الصيف ، ورزق الصيف في الشتاء ، وظهور الرطب في الصحراء من النخلة ، وكان لتلك النخلة سبعون سنة لم يخرج لها ثمرا ، فكان ذلك كرامة لمريم عليها السلام .
وقال اللّه تعالى :
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
[ النمل : 40 ] وهو آصف بن برخيا ، وكان من الأولياء ، وهو وزير سيدنا سليمان صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يكن آصف نبيا أتى بعرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس من قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه من تلك المسافة البعيدة ، فإذا جاز أن يكون في أمة سليمان عليه السلام كرامة للأولياء ، فكيف لا يجوز أن تكون في أمة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم كرامة للأولياء ؟ وهو أفضل من سليمان ومن جميع الأنبياء عليهم السّلام ، وأمته أفضل الأمم ، فإن قيل أن تلك الكرامة كانت من قبل سليمان عليه السلام قيل له : وهذه الكرامة من قبل نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم . قال اللّه تعالى :
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا
[ مريم : 25 ] .
فهذه الكرامة لمريم ولم تكن نبيا ، فإن قال المبتدع : كان الرطب كرامة لعيسى عليه السلام فقيل له : فما تقول في كرامة أخرى هي قوله تعالى :
كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ آل عمران : 37 ] ، ولم يكن عيسى في ذلك الوقت موجودا .
فإن قال المبتدع : لو أن أحدا ذهب في ليلة واحدة إلى المسجد الحرام ورجع لا يكون هذا ، ولا يمكنه أبدا قيل له : يمكن ويجوز ؛ لأن المؤمن خير من