أما الفرق بين الكرامة والمعجزة ، فقد قدّمت أقوال علماء الأصول أن الفرق بينهما إنما هو تحدي النبوة ، فدلّ ذلك على جواز استوائهما في جميع خوارق العوائد ، وقد صرحوا بذلك كما قدمناه ، ودعواهم تحدي النبوة احترازا من تحدي الولاية ، فإنه لو اقترن الخارق للعادة بدعوى الولاية جاز على الصحيح عند المحققين خلافا للقول الضعيف المتقدم ذكره في الفصل الثاني ، واعلم أنهم لا يتظاهرون بالكرامات إلا لأمور مهمة ذكرتها في كتاب « روض الرياحين » : وقلت هناك : يجب على النبي أن يتحدى بها ويظهرها ، والكرامة يجب على الولي أن يخفيها ويسترها إلا عند الضرورة أو إذن أو حال غالب لا يكون له فيه اختيار أو لتقوية تعين بعض المريدين ، وهذا الاستثناء لا بد منه أقول ينظر ما أحسن ما جمع كلام هذا المحقق من التوفيق بين جميع عبارات علماء مذهبنا المتقدم ذكرهم لا سيما ما قاله الشيخ شارح منظومة الأوشي وغيره : من أن الولي لا يقدر على إظهار الكرامة في كل وقت .
ومن قوله : لا يجوز له أن يظهرها إلى غير ذلك مما اطلعت عليه بتوفيق اللّه تعالى ، فيحل ذلك على فعله لغير حاجة أو لأمر مذموم لا يجوز له فعله ، وإما لأمر مطلوب نحو ما ذكره الشيخ هنا ، فإنه له إظهار الكرامة لأجل ذلك أو إذن أو حال لا دخل له فيه ؛ إذ علة الكرامة تحصيل فائدة لمن يطلع عليهن ، ولا تحصل الفائدة إلا بإظهارها ، وهم لا يظهرونها إلا لخير يحصل منها ، فمتى علم الولي بذلك أظهرها بقدرة اللّه تعالى ، ولا شكّ في ذلك .
وهذا وجه قول الشيخ - رحمه اللّه تعالى - وهذا الاستثناء لا بد منه ؛ إذ لو قلنا بأن الولي لا يجوز له أن يظهرها مطلقا لتعطلت الفائدة ، ولم يكن في كونه صاحب كرامة ثمرة ، وإذا أخفاها أيضا من أين يعلم أنه ولي وأن اللّه أكرمه بهذا ؟
فلا يحصل اختلاف في عباراتهم المتقدمة ، ولا تناقض فليفهم .
إلى أن قال الشيخ : والفرق بين الكرامة والسحر ، فهو أن السحر لا يظهر إلا على الكفار والزنادقة والفسقة ، والكرامة لا تظهر على أحد من هؤلاء .
قال إمام الحرمين - رحمه اللّه تعالى - : وليس ذلك مقتضى العقل ، ولكنه
جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال — صفحة 137
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٣٧