تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
بينهما محاسدة ، نعم إذا تجاورا في مسكن أو سوق أو مسجد أو مدرسة تواردوا على مقاصد تتناقض فيها أغراضهم فيثور من التناقض التنافر والتباغض ، ومنه تثور بقية الأسباب . فلذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد ، والعابد يحسد العابد دون العالم ، والتاجر يحسد التاجر دون غيره إلا بسبب آخر سوى الاجتماع في الحرفة ، ويحسد الرّجل أخاه وابن عمّه أكثر ممّا يحسد الأجانب ، والمرأة تحسد ضرتّها وسرية زوجها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته ، وذلك للتزاحم على المقاصد ، نعم من اشتدّ حرصه على الجاه وأحب الصّيت في جميع أطراف العالم بما هو فيه فإنه يحسد كل من هو في العالم ممن يساهمه في الخصلة التي يتفاخر لها . ومنشأ جميع ذلك كله حب الدنيا ، فان الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين ، أما الآخرة فلا ضيق فيها وإنما مثال الآخرة نعمة علم الآخرة فلا جرم من يحب معرفة اللّه تعالى وصفاته وملائكته وأنبيائه وملكوت أرضه وسمائه لم يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضا ، لان المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم الواحد يعرف ألف ألف عالم ويفرح بمعرفته ويلتذّ ولا تنقص لذة أحد بسبب غيره ، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الانس وثمرة الإفادة والاستفادة ، إذ معرفة اللّه بحر واسع لا ضيق فيه ، والمنزلة عند اللّه أيضا لا ضيق فيها لان أجل ما عند اللّه من النعم لذة لقائه وليس فيها ممانعة ولا مزاحمة ، بل يزيد الانس بكثرتهم . نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا ، لأن المال هو أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخرين ، ومعنى الجاه ملك القلوب ومهما امتلأ شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الاخر أو نقص عنه لا محالة فيكون ذلك سببا للمحاسدة .

الفصل السابع الحسد من الأمراض العظيمة

اعلم أنّ الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا يداوي أمراض القلب إلّا بالعلم والعمل ، والعلم النّافع لمرض الحسد أن تعرف تحقيقا أنّ الحسد ضرر عليك في الدّين والدّنيا ، وأنّه لا ضرر به على المحسود في الدين ولا في الدّنيا ، بل ينتفع به فيهما ، ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدوّ نفسك ولا صديق عدوّك فارقت الحسد لا محالة . أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء اللّه وكرهت نعمته التي
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 83 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى