أمكنه أهدى لها عنه وتغلب هواك وتحذر الغلط والنسيان ووسوسة الشيطان ، وتحذر التواني والعجز واعلم يقينا أنك لا تظفر بذلك من نفسك إلا بالقهر وتمنعها الرّغبة والحرص والكبر والرياء والحسد والرياسة والبخل وطول الامل والتقلب في طلب الشهوات ومحبّة الدنيا ، والتصنّع للنّاس والمحمدة منهم واترك الغش والخيانة وخوف الفقر والطلب لما في أيدي الناس ، ولا تنسى الموت واترك الغفلة والشحّ والسّفاهة .
فإذا ظفرت على ذلك واتقنته عن نفسك فاشكر اللّه كثيرا فقد شكر سعيك ، فعند ذلك تصحّ أعمالك غير أن النفس لا تصلح حتى تكدها وتقهرها وتجهدها لأنها أمارة بالسوّء والفحشاء والشر والفتنة والآفات ، وهي خزانة إبليس منها خرج وإليها يعود ، وهي تريد لصاحبها تسعة وتسعين بابا من أبواب الطاعات تظفر به في كمال المأة فكيف يسدّ السّبيل العريض من لا يغرق مجراه ، وكيف يعرف من ذلك من لا يعرف عدوه ودنياه ، وكيف يعرف عدوه ودنياه من لا يختلف إلى العلماء ، ولا يخاطب الحكماء ، ولا يجالس الصّالحين .
فإذا أردت النجاة فتعلم العلم من العلماء ، وخذ الحكمة من الحكماء ، ولا تنشد على نفسك مرة وترجى أخرى ، ولكن اقبل إليها بعزم صحيح ، وورع شحيح ، وصبر ثخين ، واثر متين ، حتى تمنعها عن شهواتها ، وتردّها عن شر عاداتها .
ثم اجمع المرافك إلى وسط يعني القلب فان القلب يحكم على الجوارح ولا تحكم الجوارح على القلب ، ولا يتم لك عمل ولا يخلص لك إلا بهذه الصفة .
فالعين تغمضها عن الحرام فإنها جاسوس القلب ، ثم الاذنان تمنعهما ان يوعيان الشر والخنا والنمايم والكذب ، ثم اللسان خاصة تنزهه عن الكذب والغيبة والمجادلة والفضول والمقاولة والشبهات فإنها معدن أقذار النفس وهو ترجمان القلب . ثم البطن احفظها ان تدخلها الحرام والسّحت والشبهة فان القلب نور وصفاه من طيب ذلك وأما الفرج فما دمت حابسا لبطنك من الامتلاء والشبع فأنت قادر على حفظها .
قال الوافد : كيف يكون المزيد للعبادة .
قال : يكون يجوز في الملكوت الأعلى ثم يمنع نفسه عن شر عاداتها وشهواتها فإن لم يكن كذلك فإنه مغرور فيما هو فيه وعين يستحق لما يدعي ، ومحال أن يطير الطاير في الهوى وهو مربوط بحجر ثقيل ، كذلك القلب أن يصعد في الملكوت الأعلى وهو مربوط في الآفات ،
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 519
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥١٩