بالسجود وتجتري على المعبود ، كم رآك اللّه على المعاصي وستر ، واطلع منك القبايح وما نشر ، وغطى عليك وما تشهر ، أما تذكر صالح أمرك أنسيت فضايح سرّك ، أما تخاف من ذنوبك ، أما تزدجر عن عيوبك ؛ أغفلت عن الداهية ، ولم تخف الهاوية ؛ أمنك من لا تخفى عليه خافية ، وقد اطلع عليك منارا ، واسبل عليك أستارا .
لو شاء لأمطر عليك الحجارة من الهواء ، وسلب منك العطاء ، وكشف عنك الغطاء وشهرك لعباده ، وضيق عليك بلاده ، وبدل اسمك ، وغير جسمك ، لكنه ستر عليك في الدنيا ، ماذا تعتذر إليه في الآخرة هب أنه تجاوز وعفى ، وقد نقضت ما عاهدك عليه ، ووفى ، ألم تستحيي من خالق الأرض والسماء ، ألم تستحيي من الحفظة الكرام ، ألم تخف من الإنصاف والايظام وفي ذلك يقول بعد الصّلاة على الرّسول :
يا من شكى حافظات خلوته * حين خلاء العباد ما فطنوا
لهم يهتك الستر إذا خلوت به
قال الوافد : صف لي فضل الانفاق وقبح البخل .
قال العالم : ما لك من مالك إلا ما لبست فأبليت ، وأكلت فأفنيت ، وتصدّقت فأبقيت ، من حبس درهمه جمع في القلب همه ، البخل ادواء الداء والكرم انفع الدواء ، ما يثقل الميزان إلا الاحسان إلى الاخوان ، والنجاة في قراءة القرآن ، ما احبط العمل ، فمنكم التغافل والكسل ، من لزم السماحة لم يعدم الراحة ، البخيل في الدنيا مذموم ، وفي الآخرة محروم ، تملك البلاد بالفرسان ، وتملك القلوب بالاحسان ، من بذل ماله نال آماله ، من جاد بكسرته فقد بلغ مروته ، من أخرج فضل الأموال نجى في الآخرة من الأهوال .
قال الوافد : كيف أصنع بالنفس حتى ترجع عن شرّ عادتها ؟
قال العالم : لا ترجع النفس عن عادتها أبدا أبدا وليس منها اقلاع ولا رجوع إلّا بالقهر والغلب والجهاد والخوف ، وبالعلم والمعرفة والزهد تحبس النفس عن شرّ عادتها ، ولا يدرك ذلك منها إلا بصدق الإرادة والصبر والمعالجة وكثرة الخوف والعمل بالصّواب ، فإذا ظفرت بها حتى تردها إلى طاعة اللّه ورضائه وقضيت لذلك فاشكر اللّه ، واعترف له بالطاعة إذ جعل ذلك بتوفيقه لك .
فينبغي لك من بعد ذلك أن تقطع عين الهوى وتصّم اذنك وتخرج التخاليط والآفات من