فهل لنا مفر ، هل لنا مستقر ، لا ملجأ لنا من اللّه ، لا مهرب لنا من اللّه ، العاقل يترك الهوى وفي ذلك يقول بعد الصّلاة على الرّسول :
لو أن عينا وهمتها نفسها * ان المعاد مصوّر لم يطرف
حتم الفناء على البرّية كلهم * والنّاس بين مقدم ومخلف
قال الوافد : صف لي الراغب ؟
قال العالم : أقل الرّاغب ، واترك الواجب ، ما للّه طالب ، ولا للعباد راهب ، ولا طالب في ثوابه راكب ، ولا عن الذنوب تائب ، ولا فتى نفسه للّه واهب ، بل مدمع كادب ، فإنك للخلق مجانب ، مهمل السنة والواجب ، معانق الخلايق مواهب ، اما البكاء على أمثالنا فواجب ، قبل الوقوع في العذاب الواصب ، بين الحيات والعقارب نفس عن الباب طريد ، وقلب من النشاط يريد ، وعمل من المريد بعيد ، كان الفؤآد صخرة أو حديد ، أيها القلب الشريد ؛ أما يكفيك الزجر والتّهديد ، أما سمعت الوعد والوعيد ، ليلك عطالة ، ونهارك غفلة ، ودهرك مهلة ، ليس لك من الجهل نقلة أما تخاف موقف الذلة ، أما عرفت فعلك كله ، أي ليلة لك ، أي يوم لك ، أي صلاة لك أي صوم لك ، إلى كم الغفلة والنّوم ، إلى كم تتبع عادات القوم ، إلى كم تحوم في المعاصي حوم ، كأني وقد أوقفت في موقف الكوم ، على أي عهد أوفيت ، على أي وعد اللّه قمت ، على أي توبة وصلاح للّه رمت ، هل صليت للّه مخلصا أو صمت ، هل قعدت في رضاء اللّه أو قمت .
كأني بك قد ندمت على بطالتك ، وتأسّفت على ترك طاعتك ، وبكيت عند هجوم ساعتك ، وخسرت في تجارتك وبضاعتك ، ولم تنتفع بفصاحتك وبراعتك ، وذهبت منك قوتك وشجاعتك .
قال الوافد : وعدنا اللّه الرحمة في كتابه .
قال العالم : ان رحمة اللّه قريب من المحسنين إذا عملت بالرضا عفى عنك ما مضى وحرم لحمك على الدود النار ، إذا نظر ستر ، وإذا رحم غفر ، عظيم فضله ، صادق قوله ، عليم رحيم بالكرم موصوف ، وبالرحمة معروف ، العبد ينشره ، والرّب يستره ، يكافي ويعافي ويشفي عبده ، ويوفي وعده ، كم قبيح فعلناه ستره ، وكم رزق لنا يسره أفرغ تحت جوابه ، إقرأ كتابه ، ارجع اليه يمن بالقبول ، وأقرب إليه يحسن بالوصول .