أفارق الأحباب ، الآن انقل إلى التراب ، الآن احضر إلى الحساب ، الآن أخطر إلى البلاء ، ما لي لا انتهي عن الهوى ، ما لي لا اتبع الهدى ، لا بد من سفر ، لا بد من خطر ، لا بد من موت ، لا بد من فوت ، لا بد من عرض الملك الفرد ، لا بد من القبر ، لا بد من الحشر ، لا بد من النشر ، لا بد من حسرة ، لا بد من عبرة ، لا بد من زوال ، لا بد من ارتحال ، لا بد من الجزاء على الأفعال .
خنت بالعينين ، أصغيت بالاذنين ، أخذت الحرام باليدين ، مشيت إلى المعاصي بالرجلين ، حركت بالكذب الشفتين ، قطعت الرّحم وعقت الوالدين ، أعرضت عن مولاي واتبعت هواي ونسيت ما بين يدي ، عطفت عما اساق إليه ، لم اذكر من أعرض عليه ، كأني وقد منعت الخطاب بلساني ، وسلبت القوى من أركاني ، ونزع روحي وأدرجت في أكفاني فويل لي من ملائكة يشهدون عليّ بما ضيعت ، ويحفظون ما صنعت ، فيا كربتاه ، ويا غمتاه ، ويا حزناه ، واغصّتاه ، وأسوأ حالتاه . وانشد يقول :
والصحيح أضحى يعود سقيما * وهو أدنى من الأمور البعيد
وصبيّ من بعدهم لحقوهم * ضلّ عنهم نزولهم والصعد
اين أهل الدّيار من قوم نوح * ثم عاد من بعدهم وثمود
بين ما هم على النمارق والد * بابيج صاروا إلى تراب اللحود
ثم لم ينقص الحديث ولكن * بعد ذاك الوعد ثم الوعيد
قال فاجابه العالم يقول بعد الصلاة على الرّسول :
أفنيت عمرك ادبارا واقبالا * لا تتقي النفس تبغي الأهل والمالا
فانموت هول فكن ما عشت ملتمسا * من هوله حيلة ان كنت محتالا
أملت بالجهل عمرا ليس تدركه * والعمر لا بد ان يفنى ولو طالا
كم من ملوك مضاريب الزمان بهم * فأصبحوا عبرا فينا وأمثالا
قال الوافد : جد في الصّلاة يرحمك اللّه .
قال العالم : الصّلاة صلة بين العبد والرّب ، وستر للعيب وكفارة للذّنب ، الصّلاة صلة بلا مسافة وطهارة كل خطيئة ، الصّلاة مواصلة ومصافاة وامر ومناجاة المصلي يقرع باب اللّه ويطمع في ثوابه وهو على بساط اللّه عز وجلّ .