قال العالم : حبّ الحقّ وبغض الباطل ، فان حب الباطل يدخل النار ، وحبّ من أحب اللّه قريبا كان أو بعيدا .
قال الوافد : وما حبّ من أحب اللّه قريبا كان أو بعيدا ؟ قال العالم : يسوؤك ما يسوؤه ، ويضرّك ما يضرّه ، ويسرّك ما يسرّه ، ويدخل السرور عليه ، فإن كان أعلم منك تعلمت منه ، وإن كنت أعلم منه فعلّمه واحفظ حضرته وغيبته وواسيته وأعنته وجعلت ذلك للّه وفي اللّه ولا تكن من ذلك متى وإلى متى .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك اللّه : قال العالم : الحياء ، قال : بيّنه لي ، قال العالم : ذلك على ثلاثة وجوه ، وهو :
أن يعلم العبد أنّ طاعة اللّه عليه واجبة وأن رزقه على اللّه أفلا يستحيي العبد أن يراه حريصا على رزقه كسلانا عن طاعته ، يمر على قوم أجسامهم معافا ، وعقولهم ثابتة ، وقلوبهم آمنة ، ونفوسهم طيّبة ، قد أحسن اللّه لهم أفلا ينظرون إلى شيء من قدرة اللّه ولا إلى نعمه فيشكرون ، ولا إلى من كان من قبلهم فيعتبرون ، ولا إلى ذنوبهم فيستغفرون ، ولا إلى ما وعدهم اللّه في الآخرة فيحذرون أفلا يستحيي من آمن باللّه أن يراه اللّه مع أولئك مقيما ، لابثا ساكنا ومؤانسا حاضرا مجالسا .
وامّا الثاني فان اللّه أعطى ورضي يعطي وهو راض أفلا يستحيي العبد أن يرضى برضاء ربه عند عطاه لا يرضى برضاه عند العطاء .
وأما الثالث فان اللّه يرضى لعبده الجنّة ويأمره بالعمل الصّالح لما يصلح له من الخير ، فيعمل العبد ما لا يرضى اللّه له ويكره ما يرضيه اللّه له من الجنّة ولا يترك المعاصي والشرور ويرضى ما لا يرضى له ، ويكون له ولد يحبه ويريد له الدّنيا وربما قبضه اللّه اليه وهو له وليّ أفلا يرضى العبد برضاء اللّه كما رضي أو لا بعطاء اللّه وهو يعلم أن موت ولي اللّه خير من حياته في هذه الدنيا الفانية المحشوة هموما وغموما وبغضا وغصصا وشرورا .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك اللّه ؟
قال العالم : الاستقامة أما سمعت قول اللّه عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة الأحقاف : الآية 13