تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
وفي كثير من الروايات عبّر عن الملكين بالمنكر والنكير ، ويخطر بالبال أن المنكر عبارة عن جملة الأعمال المنكرة التي فعلها الانسان في الدنيا فتمثلتا في الآخرة بصورة مناسبة لها مأخوذ ممّا هو وصف الافعال في الشرع أعني المذكور في مقابلة المعروف . والنكير هو الانكار لغة ولا يبعد أن يكون الانسان إذا رأى فعله المنكر في تلك الحال أنكره ووبخ نفسه عليه فتمثل تلك الهيئة الانكارية أو مبدؤها من النّفس بمثال مناسب لتلك النشأة فانّ قوى النّفس ومبادي آثارها كالحواس ومبادي اللمم تسمى في الشرع بالملائكة . ثمّ إن هذا الانكار من النفس لذلك المنكر يحملها على أن تلتفت إلى اعتقاداتها وتفتش عنها أهي صحيحة حسنة حقة أم فاسدة خبيثة باطلة ؟ ليظهر نجاتها وهلاكها ويطمئن قلبها . وذلك لأن قبول الأعمال موقوف على صحة الاعتقاد بل المدار في النجاة على ذلك كما هو مقرّر ضروريّ من الدين ، وإليه أشير بقوله ( ص ) : ( حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيئة وبغض عليّ سيئة لا تنفع معها حسنة ) « 1 » . ثمّ قد ثبت أن صور تلك النشأة وموجوداتها كلها حيّة مدركة ولاميّة فيها وكلّ حيّ مدرك يحب نفسه ويحب أن يكون مقبولا غير مردود فكان المفتش عن الاعتقاد إنّما هو الملكان حيث صار ذلك غرضا لهما بهذا الاعتبار . وأيضا فان النفس أقرب إلى الاعتقاد من العمل إليه فكأنها عالمة به فينبغي أن يكون مسؤولة عنه لما بينه وبينها من الاتحاد ، والملكان سائلين لما بينهما وبينه من المباينة ويؤيّد هذا سكوته ( ع ) عن العمل المنكر واقتصاره على ذكر العمل الصالح وتسميته الملكين في الاخبار بقعيدي القبر حيث يشعر بالمصاحبة وعدم السؤال إلّا عن المؤمن المحض والكافر المحض ، فانّ من لا يهتم بالدّين فهو بمعزل عن ذلك إلى غير ذلك من الإشارات . وأمّا أشعارهما التي أحاطت بهما ، وجرّا بها الأرض فيشبه أن يكون كناية عن ظلمة المنكر التي تعلوه وتلازمه ، وخدّهما الأرض باقدامهما كأنه كناية عن انتزاعهما من أرض البدن بهيبة وسطوة ، والرّعد القاصف كناية عن الصوت العائل ( الهائل خ ل ) الذي يعتري الانسان حين يفجأه هول عظيم ويهجم عليه داهية غير مامولة ، والبرق الخاطف كناية عن النور الذي به يبصران ما يبصران من ذلك ويميزان الحق من الباطل فيما هنالك .
هامش
( 1 ) العوالي : ج 4 ص 86 ح 103 .