تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
وكأن استدارتها كناية عن انتقالها من حال إلى حال من الدوران بمعنى الحركة وإنما لا تبلى لأنها لا تقبل البلى . وفيه عن السجاد ( ع ) ( وإن اللّه خلق النبيّين من طينة عليين قلوبهم وأبدانهم وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة وجعل خلق أبدان المؤمنين من دون ذلك ، وخلق الكفار من طينة سجّين قلوبهم وأبدانهم فخلط بين الطينتين فمن ذلك يلد المؤمن الكافر ويلد الكافر المؤمن ، ومن هنا تصيب المؤمن السّيئة ومن هنا تصيب الكافر الحسنة وقلوب المؤمنين تحنّ إلى ما خلقوا منه وقلوب الكافرين تحنّ إلى ما خلقوا منه ) « 1 » . أراد بعليين ما يعم الملكوتين ، فان قلوب النبيّين من الملكوت الأعلى أعني عالم العقول والأرواح ، وأبدانهم من الملكوت الأسفل أعني عالم النفوس والأشباح وأراد بسجّين عالم الملك وإنما لم يتعرض لذكر الأبدان العنصرية للنبيين لأنه لا علاقة لهم بها فكأنهم وهم في جلابيب من هذه الأبدان قد نقضوها وتجرّدوا عنها لعدم ركونهم إليها وشدة شوقهم إلى النشأة الأخرى . وإنما نسب خلق أبدان المؤمنين إلى ما دون ذلك لأنها مركبة من هذه ومن هذه لتعلّقهم بهذه الأبدان العنصرية ما داموا فيها ، وإنما نسب خلق قلوب الكفار إلى سجّين لأنهم لشدة ركونهم إلى العالم الأدنى الذي هو بمنزلة السجن واخلادهم إلى الأرض بشراشرهم ، كأنهم ليس لهم من الملكوت نصيب لاستغراقهم في الملك . والخلط بين الطينتين إشارة إلى تعلق الأرواح البرزخية بالأبدان العنصريّة بل نشؤها منها شيئا فشيئا فكل من النشأتين غلبت عليه صار من أهلها فيصير مؤمنا حقيقيا أو كافرا حقيقيا أو بين الامرين على حسب مراتب الايمان والكفر . وفي الحديث النبويّ ( ص ) ( ينشئ اللّه النّشأة الآخرة على عجز الذنب الذي يبقى من هذه النشأة الدنيا ) ، فعليه تركب النشأة الآخرة . ولعل الوجه في هذه الكناية أن الصّورة البرزخية بكمالاتها آخر ما يكتسب من البدن العنصري فيصح التعبير عنها بعجز الذنب الذي هو مؤخّر البدن وعليه يقوم البدن . وفي رواية أخرى ( كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب ) « 2 » ، وفي تفسير أبي محمّد
هامش
( 1 ) بصائر الدرجات : ص 35 ح 5 والكافي : ج 2 ص 2 ح 1 ( 2 ) صحيح مسلم : ج 4 ص 2271 .